2016/01/29

أزمة حُب


تصحيح مفاهيم:ـ
  • كان ومازال الحُب هو مُفتاح الحياة, فلا حياة بلا حُب, فإن كان الله هو حياةٍ فى ذاته, فهو بالتأكيد حُبٍ, وإن كان الله حياة فهو بالتبعية حُب, لأن الحُب هو الحياة.
  • وكم من مرة نتحدثُ فيها  عن الحُب ونحنُ بعيديين كُل البُعد عنه,  نعظُ به ولكننا لم نختبره, لم نختبرُ الحُب ولكننا نعظُ به, بل نحنُ لم نختبرُ الحياة, وإن كُنا لم نفهم معنى الحُب, فيصعُب علينا أن نعيش, ولا يحقُ أن نقول إننا أحياء, بل هو مُجرد إسم ولكن الواقع هو إننا موتى. فإن كُنا نتنفس لنعيش, فعلنيا أن نُحب لنحيا.
  •  علينا أن نتعلم معنى الحُب أولاً, ولن نتعلم معناه, إن لم نختبره, فالأساس فى الأرثوذكسية هو الأختبار, وأول معنى علينا أن نتعرف عليه لنختبره هو إن الحُب لايُعنى إننى أُفرط فى"إيمانى". فأنا أُحب وأيضاً أتمسك بإيمانى, ليس كما يظنُ البعض إن حُبى للأخر المُختلف معى هو تهاون وتفريط فى"العقيدة".
  • ولما الربط بين الحُب والتهاون من الأساس؟ إنها النظرة البدوية التى تسللت إلى أذهانُنا المسيحية وعقولنا القبطية, نظرة تؤمن إن الحُب هو"ضعفٍ", فإن أحببتُ فأنت ضعيف, ليس إلا كونك أصبحت مُتعلق بشئ تُحبه أو شخص تُحبه, فأنت أثيراً له وضعيفاً أمامه,وفى حقيقة الأمر هذه نظرة سودوية للحُب.
  •   فالحُب ليس كما نعتقدُ. الحُب ليس ضعفاً,  بل قوة, ليس فيه تهاون بل هو إلتزام, ليس إنغلاق بل إنفتاح, فلا عيب ولا ريب أن أُحب كل ما هو "غير أرثوذكسى"رغم إختلافه عنى,لاريب أن أُحبه, وفى نفس الوقت أنا مُتمسك بعقيدتى التى تُميزنى عنه, هل لم نعُد قادريين أن نتمسك بعقيدتُنا لمُجرد إننا نُحب؟ وإن كان الأمر هكذا فهنها مُشكلة كبيرة فى دواخلُنا,مُشكلة يجب أن نُعالجها.  
 
الآخر ليس مُهرطق:ـ
  • علينا ان نضع فى الإعتبار إن الغير أرثوذكسى, سواء كان بروتستانتى أو كاثوليكى, هو شخص يمُلك نفس مُعتقدى الذى لا إختلاف بيينا فيه, مثل الإيمان بالثالوث والتجسد والفداء, يؤمنون بهذه العقائد الرئيسية وما فيه من نقاط فرعية. فهُم مؤمنين وليسُ كُفار, مسيحيين وليسُ هراطقة ولا مُبتدعيين. ومن هذا المُنطلق يبدأ حوارتُنا مع الأخر, ومن هُنا علينا أن نُجدد نظرتُنا للآخر. فهو اخ لى,عضواً فى جسد المسيح.
  • فإن أيقنا هذا فى نقاشتُنا اللاهوتيةالتى تُجرىَ من أجل الوحدة ستكون اكثر حيوية وفاعلية وفائدة, أكثر من كونها مُجاملات فحسب,فحينها سنتعلم الإتضاع, والنظر للأخر ليس من منطلق أنا الصح وكل ما دُنى هو خطأ , لا ستتغير نظرتُنا إلى إننا نحنُ الأثنيين على قدرٍ من الصح والصواب, ولكننا نتناقش من أجل الوصول إلى صياغة مُشتركة,يخرُج بها كلانا.
  • نتناقش لكى ما يفهم كُل منُنا الأخر, علينا أن نتخلى عن مُصطلح"مُهرطق"و"مُبتدع" فى نُسبته إلى المسيحى الذى يؤمن بلاهوت المسيح المساوى للأب, وتجسد الابن وفداءه. فالبروتستانتى ليس مُهرطق وليس مُبتدع ولاكافر, بل هو مسيحى.
  • إنها مُصطلحات إستثقله  آباء الكنيسة إستخدامُها لوصف الهراطقة ذاتهم. ولم يطلقونها إعتباطاً, او بشكلٍ ساذج كما يحدُث اليوم, فلكى نصف احد بالهرطقة هُناك عدة خطوات , أولُها عقد مجمع مسكونى يقوم بالحُكم بالهرطقة على الآخر. وثانياً إثبات إن الآخر قد هرطقَ فى عقيدة الثالوث والتجسد والفداء, -فكنيستُنا القبطية أخذت قرار مجمعى ان شهود يهوة"هراطقة"لرفضهم عقيدة الثالوث, وإيمانهُم بتدنى منزلة الإبن عن الآب, فهل هُناك قرار خرج من المجمع المقدس للكنيسة القبطية ويُحرم الآخر؟ فلايقدر مجمع الكنيسة بقيمته المعروفة أن يُغلط ويُهرطق الطوائف المسيحية الآخرى, وهو يعلم إننا نتفق تقريباً على 80%من المُعتقدات الأساسية, وهذه النسبة لايُمكن أن تكون دافعاً لا للمجمع ولا لأى دارس لاهوت, أن يستخدمها لكى ما يُهرطق الآخر
 

معنى الأرثوذكسية :ـ
  • وهُنا نؤكد إن كُل كتابات الآباء, والقوانين التى تنُص وتُحرم الصلاة على "الهراطقة"هى قوانين لا تنطبق على "البروتستانتى"ولا على"الكاثوليكى", لأن هذه القوانين ترفض الصلاة على الهراطقة,أى الغير مسيحيين,وغير الأرثوذكس
  • وغير الأرثوذكس هُنا لاتُعنى الآخر المُختلف معى, بل هى لاتخرج عن معنى"مسيحى", فأيام الآباء لم تكُن هُناك طوائف, لذلك إستخدم الآباء مُصطلح"أرثوذكسى"للتعبير عن كُل مسيحى .
  • لذلك فى القدُاس والأواشى حينما يأتى ذكر"الأرثوذكسيين"لم يُقصد بها"الطائفة الأرثوذكسية"بل يُقصد بها"المسيحيين"- راجع مقالُنا عن مُصطلح الأرثوذكسية فى القرون الأولى
  • وعلينا أن نضع هذه النقطة فى الإعتبار, لكى لانرفض فيما بعد أن نُصلى على الآخر, بحُجة إن الصلاة تقول"ثبتنا على الإيمان الأرثوذكسى"لأن المقصود هو ثبتنا على إيمانك المسيحى.
  • وعلى من يُهاجم  هذه الصلوات بحُجة إنها نوع من التعصب, على هؤلاء أن يدركوا المعنى السليم.وهذا ما أعلنه بابا الأقباط, قداسة البابا المُعظم البابا تواضروس الثانى فى أكثر من لقاء له
 
الأُم الكنيسة:ـ
  • نتطرق هُنا لموضوع الصلاة على الاخر, وعُزراً ساكون مُتعصب قليلاً لكنيستى القبطية الارثوذكسية, وأقول إنها"الكنيسة الأُم", الآُم لكل مسيحى فى العالم, حتى لو لم يكُن كُل مسيحى العالم على وفاقٍ معها, وهذا الإعتقاد لايقوم على خلفية تاريخية لرئاسة الكنيسة يوماً ما على الكنائس الأخرى,ولا لأنها كانت المُتسيدة التعليم اللاهوتى فى فترة زمنية ليست بقليلة من الزمان. ورغم ذلك فأنا أتقبل إن هُناك كنائس أُخرى يُمكن أن تكون أُماً.  
  • وهُنا أقول إن الاُم لا تُغلق بابُها أمام إبنُها, الذى تركها وذهب لاُم آخرى,بل تقفُ طيلة غيبه وغُربته على الباب تنتظر عودته, وحينما يعود, تفرح به وتحتضنه, وتُقدم له الرعاية والحُب .هكذا فعل الاب معى إبنه الذى أكل مع الخنازير وقرر العودة لبيت أبيه.
  • فالاُم لايُمكن أن تُغلق الباب أمامه. بل دوماً ودائماً أحضانُها مفتوحة . فما بالكم بإبن يعود لأُمه مائتاً, إبن يعود جُثة هامدة[!] فهل الاُم بمشاعرها المعهودة تقدر أن تُغلق بابها أمامه وتقول له"أنت تركتى فلا تستحق حُضنى"[؟].
  • و ان فعلت ذلك لاتعود"أُم", فقد تجردت من أبسط مشاعر الأمومة.تجردت من مشاعر العطف والحنان والحُب, فهذا التجرُد يمنعُها أن تكون"أُم".
  •  بل إنها إن لم تهرول إلى جُثمان ولدُها,وتحتضنه, وتبكى دماً لادموع, إن لم تفعل هذا فإنها لم تعُد أُم[!]فهل يليق بأُمُ مثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية,هل يليق أن تُغلق احضانُها أمام إبنُها؟...بكُل ثقة وحُزن أقولها"لايليق ..لايليق يا أُمى". 
  • لايليق حتى لو كان هذا الشخص,ترك الكنيسة وحُضنها, لا يليق حتى لو رفض كُل ما فى الكنيسة من مُعتقدات وطقوس وآباء, بل حتى لو داس عليها, فالأُم تبقى أُم حتى وإن قسىَ قلب الإبن عليها.
  • فقسوته لا تجعلها تتحجر القلب.لايليق إغلاق الباب حتى أمام"إبن"خرج من رحمٍ آخر.فالام تبقى أُم حتى مع أبناء الرحم الأخر.
 
 لماذا نُصلى:ـ
  • وهُنا علينا أن نعلم إنه إن كانت الكنيسة تُصلى على"المُستقيم الإيمان"و" من لايُخطئ", فما المنفعة وما الفائدة التى تعود علي المُنتقل إن كان باراً؟ فهو شخص لايحتاج بعد صلاتُنا, بل نحنُ المُحتاجين الصلاة منه.
  • وإن كان الشخص المُنتقل"خاطئ"فلا فائدة من صلاة الكنيسة عليه,ولا الصلاة من أجله تُفيده شئ. وإن كان شخص مُبارك وبار,ولكنه سقط تحت خطايا"الهفو"التى نُصلى ونقول عنها"التى فعلناها بمعرفة والتى فعلناها بغير معرفة",فأيضاً صلاتُنا لاتُفيده شئ,فهو شخص بار ولكنه وقع تحت بعض الهفوات, ولستُ أظن إن الله سيُدين شخص على الهفوات, ويتناسى تاريخ حياته الذى قضاها فى القداسة والبر.
  • وإن كانت صلاتُنا هى الوسيط أمام الله لمغفرة الخطايا,فنحنُ قد قدمنا هذه الوساطة يوم إنتقال الخاطئ.فلماذا نُكرر الصلاة كُل عامٍ,بما تُعرف بالذكرة الثانوية,ولماذا فى كُل يوم نقول"الرب ينيح نفوسهم أجعين"
  • وهُنا لابُد أن نعتبر الصلاة على المُنتقل إن صح القول. نقول إننا نُذكر الله بمراحمه ليترأف ويرحم المُنتقل.ليس لان الله يتناسى مراحمه ومحبته,بل من باب الشركة مع المُنتقل,ومن باب الحُب , لذلك نحنُ نُصلى قائليين:ـ" إن كان قد لحقهم توانٍ أو تفريطٌ كبشر وقد لَبِسوا جسداً وسكنوا في هذا العالم، فأنت كصالح ومحب البشر، اللهم تفضَّل عبيدك المسيحيين الأرثوذكسيين الذين في المسكونة كلها، من مشارق الشمس إلى مغاربها، ومن الشمال إلى اليمين، كل واحد باسمه وكل واحدة باسمها، يا رب نيِّحهم واغفر لهم. فإنه ليس أحدٌ طاهراً من دنسٍ ولو كانت حياته يوماً واحداً على الأرض. أما هم يا رب الذين أخذتَ نفوسهم، فنيِّحهم، وليستحقوا ملكوت السموات".
  • فهى فقط لتذكير الله بصلاحه ومحبته.التى لايحتاج الله أن يُذكره أحد بها,و أولاً وأخيراً من باب الشركة,الشركة فى الجسد الواحد,الذى يلتمس نعمة الرب  
  • لذلك فى غاية الأهمية أن نعلم إننا أعضاء جسد المسيح الواحد,ذلك الجسد الذى لايعرف الموت طريقاً له,بل هو مُجرد إنتقال ,لذلك ثُصلى الكنيسةالموجودة على الأرض من أجل بقية أعضائها المُنتقليين للسماء, ونفس الأمر من المُنتقليين إلى السماء يُصلون للأرضيين,وهذا هو المفهوم الأرثوذكسى عن الشفاعة.فهى ليست وساطة بل هى شركة جسد المسيح فقط
  • وهُنا نقدر أن نقول إن "الصلاة على الموتى" ليست فى الواقع صلاة عليهم[!]بل هى إشتراك معهم فى الصلاة,فالمُحرك الأساسى هو"حياة الشركة" شركة الجسد الواحد فى الصلاة.لذلك فصلاتُنا هى محبة ورحمة ,محبة ورحمة تجاه لاالمُنتقل فحسب,بل أيضاً تجاه أهله وأقاربه,فالمحبة تُحتم أن نشترك معهم فى احزانهم,ونُعزيهم ,وتعزيتُنا تكون بالمسيح وفى المسيح.
  • وحينما نجتمع لنُصلى سوياً. -وإن كُنا نشترك مع البروتستانت فى الصلاة,كما فعل البابا تواضروس ومن قبله البابا شنودة-فهذا نوع من أنواع شركة الجسد الواحد,فنحنُ نُصلى من أجل أمراً تحتاجه الكنيسة وهو"الوحدة",لذلك تتشارك كأعضاء الجسد الواحد فى الصلاة والطلب من أجل إحتياجُها,ونفس الأمر علينا فعله مع المُنتقليين من الطوائف الأخرى,نتشارك معهم فى الصلاة
  • فصلاتُنا فى كنيستُنا, على مذبحُنا, بطقوسِنا على اى شخص من طائفة اخرى, لا يُقلل من إيمانى أوعقيدتى, فالتقليل يحدُث فى حالةٍ واحدة إن تخليتُ عن الطقس الكنسى الخاص بى, يحدُث إذا ألغيتُ عقيدة من عقائد كنيستى من أجل الاخر, وهذا لم يحدُث,وإن لم يحدُث فلما إرهاب النفوس بمقولة"التفريط فى الإيمان", وهذا ليس تفريط بل هو تأكيد ووثيق وتثبيت للإيمان. 
 
النعمة معكم 
مينا فوزى

2016/01/12

الأرثوبراكسية




من الأرثوذُكسية إلى الأرثوبراكسية
(لنخرُج من هذا المفهوم الضيق إلى آفاقٍ واسعة )


  • قديمًا استخدم آباء الكنيسة, مُصطلح أرثوذُكسية للتفرقة والتمييز بينهم وبين الوثنيين, وإستُخدمت أيضًا من أجل توضيح ووصف مُعتقداتهم.كلمة أرثوذُكسيةOrthodox تُعنى"صلاة مُستقيمة"أو"تسبحة مُستقيمة", فكلمةdoxa بالأساس تُعنى تمجيد, لذلك دوماً ما نقول (ذوكسا) للثالوث القدوس.
  • الأرثوذُكسية هي" تمجيد,صلاة, تسبيح ",ولكن بشكلٍ مُستقيم,أي إننا نُصلِّي لله الآب,بالابن في الروح القدس,هذه هي الأرثوذُكسية, صلاة مُستقيمة, أي إنها صلاة تخلو من أي بُغضة وكراهية تجاه الآخر, فعلى المسيحي أن تكون حياتُه كُلَّها"ذوكسا",فأساس حياتِه يجب أن تكون مُستقيمة,وهُنا نصل إلى مفهوم أوسع وأدق للأرثوذُكسية, وهي الحياة المُستقيمة.فكُل مسيحي هو أرثوذُكسي,ولكن ليس كُل أرثوذُكسي هومسيحي..

  • وكيف يسلُك من يُدينُ أخاه,ويسُبُّهُ؟ كيف يسلُك هذا في الأرثوذُكسية؟أين حياة الإستقامة في"سُبابِه, وإداناته"[!],إنه التحوُّل عن الأرثوذُكسية,وأضحت الأرثوذُكسية في الكنيسة,وفي الكُتُب, أمَّا الحياة ذاتِها فلا أرثوذُكسية فيها, إنها خارج نطاق الأرثوذُكسية.
  • إنَّها تقوى زائفة, تُظهر عكس ما تبطُن[!]فلم تعود الكنيسة ذلك المكان  الذي يجتمع فيه أعضاء الجسد الواحد مع الرأس المسيح,بل تحولت إلى مسرحًا,كلٌ في دوره,والجميع مُمثلون,وتحولت الأرثوذُكسية من الحياة المُستقيمة إلى الحياة الزائفة, وأضحَى التاجر يُزيف بضاعته,فأصبحت الأرثوذُكسية هي الأخرى مُزيفة.إنها أرثوذُكسية مُزيفة.تلك الأرثوذُكسية التي يُنادون بها.
  • فبين أرثوذُكسية الآباء وبين أرثوذُكسيتهم هوةٌ سحيقةٌ.وللأسف تشرَّبْنا نحن من أرثوذُكسية هؤلاء,وتناسينا الأرثوذُكسية الأصيلة,لذلك علينا الآن أن ننسلخ من هذه الأرثوذُكسية,علينا أن نُفكر جديًا في"الأرثوبراكسية", أي علينا أن نُمارس الأستقامة,لا أن نُمثلُها.[ فكلمة "أرثو"تُعنى إستقامة,وكلمة "براكسية" تُعني عمل أو تطبيق].
  • فما المنفعة من التفاخر على الآخر إننا كنيسة آبائية,وإننا كنيسة مُستقيمة في الرأى والفكر..إلخ. من تلك الشعارات الرنانة,هذه هي الأرثوذُكسية المُزيفة التي يجب أن نتخلَّى عنها[!]فبدل التفاخر علينا أن نجتهد أن نسير على طريق الآباء,فى خُلقِهم وحياتهم,وتقواهم.علينا أن نعمل ونتعب من أجل مجد الله.مجد الله الغائب.لنعمل من أجل أن نُمجِّد الله في تعبِنا سواء في الخدمة أو الدراسة الدينية أو العامة.
  • لنترُك ميراثًا لأحفادِنا, لعلهم يتفاخرون به, كما نتفاخر نحن بتُراث الأجداد. فالكنيسة اليوم تمُرُّ بمرحلةٍ من أصعب ما يكون, فقديماً كانت تواجه العالم الوثنِي,فوَصَفَتْ نفسها بالأرثوذُكسية لتُفرِّق بينها وبين الوثنيين والهراطقة, ولكن اليوم الكنيسة تواجه نفسَها,لإنها اضحت في إحتياج لمُصطلح يصف حالتَها,ويصفُ ما ترجوه.لذلك فأفضل تعبير عن إحتياجُنا لم يعُد هو"الأرثوذُكسية" بل هو "الأرثوبراكسية" علينا أن نُعيد المُمارسة مرة أخرى للأرثوذكسية فى الكنيسة , فنُمارِس ما نعتقده,ونعتقد ونُصلِّي بما نُمارسه. هذا هو مجد الكنيسة الذي نحتاج أن نُعيدَهُ.
  • لنتخيل إن الكنيسة لايوجد بها سوى عقيدة واحدة, وهي المحبة , وهذه الكنيسة تُمارس الحُبَّ,وتُصلِّي به,وإن كانت مُفتقدة للحُبِّ عليها أن تُصلِّي لكي ما تنال هذه النعمة,فالحُبُّ نعمة,وحينما تترسخ المحبة في وجدان الكنيسة,فكُلُّ خلافتِها ستزول , بل ستُصبح كنيسة أشبه بكنيسة السمائيين,فكما يقول البابا شنودة " كُلُّ قلبٍ عاشَ في الحُبِّ سَمَاك". فما المنفعة من عقيدة مُستقيمة لا تُمارَس,ولايستفيد منها من يؤمن بها؟ لا منفعة,بل هو الضرَرُ بعينِه,والطامةُ الكُبرَى.
  • طامتُنا الكُبرَى إن كُنَّا نتغنى بالحُبِّ والمحبة ولا نُمارِس هذه المحبة,نتصنع الحُبَّ تجاه الآخرين , المُخالفين والمُختلِفين,ونحنُ أبعد ما يكون عن الحُب, ولم نعرف عن المحبة شيئًا ,فالقلب يبطُن ما تخفيه الوجوه, فكيف لنا أن نُحب الله؟ونحنُ لم نُحب بعضُنا البعض؟
  • لقد تحولت عقيدتُنا في الحُبِّ إلى زيف وخداع . نخدعُ به الناس,ونخدعُ به الله, فاحص الكُلَى, نخدعه في مخادعُنا ونقول له إننا نُحبُّه , ونحن لم نُحبُّه بعد! فلا حُب مِنَّا لله إن لم نُحب بعضنا البعض. علينا أن نخرج من قوقعة الزيف والخداع باسم الأرثوذُكسية إلى مرحلة المُمارسة الفعلية للعقيدة الأرثوذكسية.
  • وأخشى أن نصل إلى مرحلة من المرض,ونُصبح مرضى الأرثوذُكسية,وتُصبح أجمل ما فى حياتُنا هو مصدر هلاك لنا, ونبكي على الأطلال "أهلكتنا أهلكتنا,والجانى نحنُ".
  • فإن كان السَّكِّين يُمكن أن يُستخدَم في قتل نفس فهو أيضاً يُستخدَم في إعدادالطعام لشخصٍ جائعٍ, فتحوَّل السَّكِّين من أداةِ قتلٍ وسفكِ دمٍ إلى أداةٍ نقدرُ  بها أن نُحيي نفسًا.
  • هكذا الأرثوذُكسية يُمكن بها أن نقتُل المُخالِف لنا ويُمكن بها أن نُحْيي نفسًا,فأي أرثوذُكسية ننتهجُ نحنُ؟ أرثوذُكسية القتل وسفك الدماء,أم أرثوذُكسية الحياة وحقِّ الجميع في الحياة؟
  • فنقاشاتُنا وحواراتُنا تحتاج لا لأسلوب ومُفردات,بل تحتاج إلى حياة الحُب نعيشُها ,ولا حياة خارج المحبة, لا في نقاشاتِناالدينية فحسْب,بل في مُعاملاتِنا اليومية مع الجميع , مع الله ومع البشر, مع الحيوانات,و مع النباتات ,وكل شئٍ حولُنا,علينا أن نترفق ونُحبه.
  • علينا أن نتعلم أن نُحِبَّ حينما نختلف,ونُحِبَّ حينما نتناقش. فالخلاف شئ واقع في حياتِنا كبشر, لنجعل  أسمى خلافُنا على أخلاقِنا وحُبنا بعضنا البعض.
                              لنُمارس الأرثوذُكسية...لنحيا الحُبَّ.

النعمة معكم
مينا فوزى



2015/12/31

الحلول المُتبادل,فى فكر الآباء(الجزء الثانى).

 



  •  حينما نقول إن لهذا المُصطلح  نشأة,فهذا لايُعنى إن هذه العقيدة مُحِدثة على الإنجيل,أو إبتدعها الآباء ,ولكننا فقط نتحدث على"تاريخ تطور المُصطلحات العقائدية"والتطور هُنا يختص بالمُصطلحات لا بالعقيدة ذاتُها.
  • وهُنا علينا أن نُفرق بين Terminologyوبين, conceptورغم تلازُمهُما, علينا أن نُفرق بين كُل منهُما,فهذا يُساعدُنا كثيراً فى إنجاز العقيدة,فالمُصطلحات اللاهوتية,ظهرت فى عصور حديثة على زمن تدوين الإنجيل.وهذا لايُعيب "علم اللاهوت"فى شئ.لان هذه المُصطلحات هى قوالب,وصياغة لما فى الإنجيل من عقائد.
  • فمُصطلح الحلول المُتبادل يُشير إلى علاقة فريدة ( unique ) من نوعها.علاقة لا مثيل لها فى سائر الموجودات,وينفرد هذا الحلول المتبادل بين شخوص الثالوث, وقد ظهر  هذا المُصطلح فى القرن الرابع,فى كتابات القديس غريغوريوس, يقول"ليونارد برستيج":[إن إستخدام مُصطلح perichoresis لأول مرة كان فى كتابات القديس غريغوريوس النزينزى,فى القرن الرابع,ولحقه مكيسموس المعترف.][1]. إلا إن هذا المُصطلح إعتمدا على نصوص إنجيلية كثيرة.ومن جانب أخر قد كان للقديس أثناسيوس فضل كبير فى إستخدام هذا المُصطلح.
  • وحينما نقول إن الفضل يعود للقديس أثناسيوس فى صياغة هذا المُصطلح,فإننا نقصد إن ما أحدثه أثناسيوس من تقدم وتطور فى التاريخ العقيدى للكنيسة,وبالأخص مجمع نيقية325م,هو السبب الأساسى فى ظهور هذا المُصطلح. فى كتاابات ق.غريغوريوس النزينزى[2].
  • فأثناسيوس من أكثر الأباء حديثاً عن التساوى والوحدة بين الأقانيم, لقد كان يستخدم مُصطلح ὁμοούσιοςللدلاله على التساوى بين شخوص الثالوث,فالابن هو واحد فى الجوهر ὁμοούσιοςمع الآب الحقيقى.فالابن من نفس جوهر الآب,والمساوةوالوحدة  فى الجوهر هى مساوة ووحدة فىما بين الأقانيم.فكُل ملئ لاهوت الجوهر هو للابن,كما هو للآب[3].
  • ويلاحظ ان المسيح يقدم برهان وحدة كيانه فى الاب والاب فيه .على مستويين الاول مستوى الفكر والقوة,وهوتغطية كاملة لوجود الاب كاقنوم الهى فعال,فكان كلام المسيح بمثابة استعلان لصفات الاب جميعاً[4].
  • لقد كان مُصطلحὁμοούσιος فى مجمع نيقية,له تأثير كبير على ظهور مُصطلح"الحلول المُتبادل" . περιχώρησις
  • فالمُصطلح الأخير قائم بالأساس ويعتمد على المُصطلح الأول.للتعبير عن المساواة بين الأقانيم,والواحدانية فى الجوهر.فالتساوى هو مبدأ أساسى فى"الحلول"وإلا الأصغر والأقل لايقدر أن يحتوى الأكبر,بل إن الأكبر يبتلع الأصغر بكُل سهولة,
  • قد أدرك أثناسيوس,ان علاقات التلازم والتواجد(الاحتواء)المتبادل بين الآب والابن والروح القدس والتى أُعلنت فى أعمال الله الخلاصية بالمسيح وفى الروح القدس .ليس مجرد مظاهر وقتية لطبيعة الله بل هى ثابتة وأزلية فى داخل الجوهر الواحد للثالوث[5].
  • يقول ق.ابيفانيوس:[عندما تنطق بال"هوموآووسيوس"فإنك تؤكد بأن الابن إله من ذاته."وما هو"الروح القدوس  نحونا ,هو نفس"ماهو"الروح فى ذاته.و"ماهو"الروح القدوس فى ذاته هو نفسه"ما هو "الروح نحونا,فالروح القدس هو مع الآب والابن على الدوام ,فى علاقة تواجد(احتواء)متبادل معهما فى جوهر الله الواحد,ولكن علاقة التواجد"الاقنومى"المتبادل هذه تكون بحيث إنه فى جوهر الله الواحد,الروح القدس يكون دائماً هو روح قدس,كما ان الآب هو دائماً الآب .والابن هو دائماً الابن وكل من الاقانيم هو بالحقيقة "إله بالتمام والكمال].[6]
  • و ق.هيلارى له عبارة بليغة عن مفهوم ان الثلاثة الأشخاص الإلهية فى حين يبقون على وجودهم وحالهم المتمايز.فإنه"يحتوى "كل منهم الآخر بالتبادل,وبالتالى كل واحد منهم هو على الدوام يحيط(يحتوى-envelops)الآخر وأيضاًيُحاط(يحتوى-envelops)من الآخر الذى ما زال هو يحتويه" [7].
  • وهذا له  أثره الواضح على فكر ق.غريغوريوس النزينزى.لذا إستخدم هذا المصطلح. في رسالته إلى كلودنيوس القس ضد أبوليناريوس. وكان النزينزى يستخدم هذا المُصطلح من أجل إرساء مبدأ الوحدة والتساوى بين الشخوص الثلاثة[8].
  • فإن لم نؤمن إن الحلول هو بالتساوى,سنقع فى الهرطقة الأريوسية,فالتساوى فى الأقانيم,يمنح الحلول صفة التساوى,وإلا تلاشى الثالوث,لذلك مُصطلح perichoresis,قائم بالأساس على العلاقة  بين الثالوث,المكون من ثلاثة شخوص.مُتساويين فى الجوهر.لذلك نقدر أن نقول إن هُناك حلولٍ مُتبادل بينهم.ولو لم يكُن هُناك تساوى لإستحال الحلول  المُتبادل.
  • لذلك يقول ق.أثناسيوس:ـ"عندما يقول [ أنا في الآب والآب في ] فهذا لا يعني كما يظن هؤلاء أن الواحد  يفرغ ذاته في الاخر ليملأ الواحد منهما الآخر .كما يحدث فى الآوانى الفارغة,حتى أن الابن يملأ فراغ الآب ، والآب فراغ الابن،وكأن كلاً منهما ليس تاماً ولا كاملاً في ذاته.فهذه هى خاصية الأجساد,"[9].
  • وحسب فكر ق,أثناسيوس فلو لم يكُن هُناك تساوى فحينها نقدر أن نقول إن أحدهم يُفرغ ذاته فى الآخر,وإن كان هذا الآخر يُفرغ فيه تمام الأول,فذلك يُعنى إن الأول محدود يُمكن حصره فى حيز الآخر.
  • فعند أثناسيوس يقوم"الاحتواء المتبادل على دعامتين :وُهم:ـ
  1. الدعامة الأولى:ـ هي بقاء الشخص متمايزا ، بطريقة مطلقة، أي يبقى كما هو دائما .
  2. والدعامة الثانية :ـ هي بقاء الشخص مستوعبا في كل من الشخصين الآخرين ، بطريقة مطلقة ، أي يبقى في الآخر دائما .
  • وخُلاصة ما قيل هو إن الحلول المُتبادل لايُعنى تلاشى الأقنوم فى حالة حلوله فى الآخر,بل يبق كُل منهُم فى حالة من التمايز,ويبقى الأقنوم فى حالة إستيعاب للشخصين الآخريين,وبالتالى,فالحلول بين الأقانيم لايُعنى تلاشئ أحدهم فى الآخر,وليس بمعنى إن الآخر يُفرغ ويملئ فى الآخر.
  • وفى هذا الصدديقول ق.كيرلس:ـ" لو ظننتم ان الابن يحتوى فى الاب كانه جسد,فحسنا تبحثون كيف يدخل الواحد فى الاخر والعكس لانه بالنسبة لاناء مصنوع من الفخار .واي مادة اخرى تستطيع ان تقول انه لا يمكن للاكبر ان يحتوى فى الاصغر,وايضاً الاصغر فى الاكبر .لكن بالنسبة لغير الجسديات والكائنات الغير المصنوعة من مادة ما بحسب طبيعتها اى مبرر يسند اقتراحكم؟وما نقوله الان متغاضيين عن هذا الذى تدركونه عن جهل .انتم فى ضلال اذ امنتم ان الاب هو اكبر من الابن بينما الحقيقة ليست هكذا لان الابن  معادل الاب فى كل شئ"[10].
  • وحسب تعاليم أثناسيوس وكيرلس,إن مايحفظ الاحتواء المتبادل هو  وحدة الجوهر الإلهي ، فكل شخص له ذات الجوهر الذي للآخر ، وهكذا يظل كل شخص ذاته على الدوام ،ولا تحدث علاقة الاحتواء المتبادل أي تفتيت أو تجزئة للجوهر لأن الشخص كامل ،
  • وفي هذا يقول ق.أثناسيوس: ”ولكن في اللاهوت فليس الأمر على هذا النحو . لأن الله ليس مثل الانسان ، وجوهره لا يتجزأ . ومن أجل ذلك فانه لم يتجزأ لكي يلد الابن حتى يصير أبا لآخر، لأنه هو نفسه لم يكن من أب، وكذلك فالابن ليس جزءاً من الآب ، ولذلك فهو لم يلد كما وُلد هو نفسه ، بل هو صورة كلية للكامل وهو إشعاعه . وفي اللاهوت فقط ، فإن الآب هو أب بالمعنى الأصيل والابن هو ابن بالمعنى الأصيل . وبالنسبة لهما يكون صحيحا أن الآب هو أب على الدوام . والابن هو ابن على الدوام . وكما أن الآب لن يكون ابنا أبدا كذلك أيضا لن يصير الابن أبا مطلقا . وكما أن الآب لم يكف أبدا عن أن يكون الآب الوحيد ، هكذا . فلن يكف الابن أبداً عن أن يكون الابن الوحيد .[11]” (
  • بالنسبة للفكر اللاهوتى النيقى فإن العلاقة المتبادلة فى المعرفة والوجود بين الآب والرب يسوع المسيح تُشكل الأساس الكيانى لمعرفتنا نحن لله,لآنه فى هذه العلاقة ومن خلالها تصير معرفتنا لله الآب  متأصله,بشكل موضوعى,قد اعطينا الوصول الى معرفة الله وفقا لما هو فى ذاته وبالاضافة الى ذلك فإننا على نفس الأساس نعرف ان الروح القدوس الذى يأتينا من الاب بواسطة الابن كروح الاب وروح الابن هو فى ذات جوهر الله الواحد لانه توجد علاقة متبادلة فى المعرفة والوجود بين الروح القدوس والاب, وبين الروح القدوس والابن كما هى بين الابن والآب[12].
  • لقد إستخدم الآباء هذا المُصطلح ليس فقط من أجل التعبير عن الحلول المُتبادل بين الأقانيم,فحسب,بل إستخدمهوه أيضاً لمُحاربة فكر الآريوسيين فى قولهم" عدم تساوى الأقانيم",لأن الحلول المُتبادل يُعِبر ويُعنى "التلازم المتساوى"أو"المساواة المُتلازمة"[13].
  • يقول ق.إبيقانيوس:إن الله واحد,الآب فى الابن والابن فى الآب مع الروح القدوس.والآب أقنوم حقيقى,والابن أقنوم حقيقى,والروح القدس أقنوم حقيقى,ثلاثة أشخاص (أقانيم)ولاهوت واحد,جوهر واحد,مجد واحد وإله واحد,وعندما تفكر فى الله(الواحد)فأنت تفكر فى الثالوث,ولكن دون أن تخلط فى ذهنك بين الآب والابن والروح القدس[14].
  • فالتلازُم يُعنى إنه لم يكُن هُناك وقت لم يكُن فيه الآب مُنفصل عن الابن,ولم يكن الابن بمعزل عن الاب,وهذا ينفى ما زعمه الأريوسيين,فالتلازُم ضد الأفضلية بين الشخوص,وضد ما نادى به الآريوسيين إن الآب خلق الابن فى وقتاً لاحقاً.وضد هرطقة التدنىSubordinationism.
  • والتدنى"Subordinationism"كان هو المدخل الذى إستخدمه الآريوسيين,لتبديد وحدة الثالوث,إذ جعلو بين الآب والابن والروح القدس تدرجاً فى الطبقة والكرامة والمجد,وتمادى أريوس حتى فصل بين الابن والآب نهائياً.وكذلك الروح القدس فحطم الوحدة الجوهرية القائمة فى الثالوث[15].
  • نعود إلى الإيمان من حيث كونه حقائق الله فى الحياة مع الإنسان,والتى أعلنها المسيح مراراً وتكراراً,وهى أن المسيح ,كابن ,كيانه هو فى كيان الآب,ويظل قائماً فيه,وغير منفصل عنه, لآنهما كيان واحد, ذات واحدة(أنا والآب واحد)(يو30:10)[16],أما الجسد الذى أخذه الابن لذاته ووحده بلاهوته.فقد دخل فى هذا الكيان دخولاً أبداياً متميزاً,..بل وإنه وهو متجسد ,بقى كما كان فى حضن الآب,كأعظم تعبير عاطفى عن الكيان المتحد,أو وحدة الكيان للمسيح فى الآب ,والآب فى المسيح(الابن الوحيد الذى هو فى حضن الابن هو خبر)(يو18:1)[17].
  • فالتلازم المُتبادل يُعنى المساواة فى الأزلية بين شخوص الثالوث.فلا أسبقية لأحدهم على الآخر,ويقول ق.يوحنا الدمشقى:"فلسنا نستطيع القول بانفصال مكانى,فى اللاهوت غير المحدود,لأن الأقانيم هم بعضهم فى بعض,لا على طريقة الاختلاط,بل التواجد,على نحو قول الرب القائل:"أنا فى الآب..والآب فى."[18].
  • فأثناء هذا الحلول,يحتوى كل شخص الأخر,ويظل كل شخصٍ منهُم له ذات الجوهر الذى للآخر.فلم يعُد الأمر مُجرد حضور مُتبادل بين طرفى العلاقة,بل بين طرفين لهُما نفس ذات الجوهر, كُل منهم هو"هوموأوسيوس"بالنسبة للآخر[19].
  • ويقول ق.يوحنا الدمشقى:ـ"فإن ما يُرى هُنا بالفعل إنما هو الشركة الواحدة بسبب التساوى فى الأزلية ووحدة الجوهر والفعل والمشيئة واتفاق الرأى والسلطة والقوة ووحدة هوية الصلاح,..فالجوهر واحد والصلاح واحد والقوة واحدة والمشيئة واحدة والفعل واحد والسلطة واحدة[20].
  • فحينما يقول ق.يوحنا الإنجيلى"كل ما هو لي فهو لك. وكل ما هو لك فهو لي"(يو10:17),وكُل شئ هُناπάνταتُعنى[كل شئ,على العموم][21] وهُنا لم يُحِدد شئ بعينه ينسبه له"كل ما لك هو لى"ἐμός,وتُعنى[خاص بى,ملك لى],وتُعنى الملكية الخاصة والنُسب لشخصه[22].
  • فكُل ما للآب من "بهاء,ومجد,وعظمة..إلخ"هو للإبن,فكُل ما لله الآب هو لله الابن,بل إن الجوهر الإلهى الذى للآب,هو للابن,لذلك نحنُ نقول إن كُل منهم هو"هوموأوسيوس"بالنسبة للآخر.
  • لذلك يقول ق.غريغوريوس:" كل ما يُرى فى الآب يُرى فى الابن,وكل ما هو للابن هو للآب,لان الابن بجملته يسكن فى الآب . وهو(الابن)فيه الآب بجملته وعلى ذلك فإن أقنوم الابن كما لو كان هو هيئة ووجه معرفة الاب, كما ان اقنوم الاب يُعرف فى هيئة الابن ولكن الخواص المميزة لكل منهما انما ترجع الى التمايز الواضح الذى لاقنوميهما."[23].
  • كانت لكلمات ربنا التى سجلها ق.لوقا وق.متى أهمية أساسية جداً فى الفكر اللاهوتى النيقى حين قال:"كل شئ قد دفع إلى من أبى وليس أحد يعرف من هو الاب إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له[لوقا22:10],[متى27:11]وقد كشف الفحص اللاهوتى الدقيق أن علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن المتجسد هى علاقة تساوى .
  •  ونتيجة لهذا التساوى ,والتلازم نشأ مُصطلح"الحلول المُتبادل"ليدُل على التواجد والتبادل والحلول. بين الأقانيم,من حيث  أن كل منهم يسكُن فى الآخر,ولاينفصلان,ولا يوجد إنفصال بينهم.فالابن فى الاب والروح :والروح فى الآب والابن"والآب فى الابن والروح,بدون إلتحام أو إمتزاج,او حتى خلط[24].

 النعمة معكم
مينا فوزى



[1] Gregory, Epistle 101, in PG 37.181C, cited in Randall Otto, ‘The Use and Abuse of Perichoresis’: 368.
[2] Comments of    G.S.Kirk and   J.E.  Raven(The presocratic    philosophers,1957,pp,373,380)
[3] البابا أثناسيوس:ضد الآيوسيين(2:3)
[4] الآب متى المسكين:الإنجيل بحسب القديس يوحنا دراسة وتفسير وشرح.ج2,ص838.
[5]. توماس ف تورانس :الإيمان بالثالوث الفكر اللاهوتى الكتابى للكنيسة الجامعة فى القرون الأولى ص282.
[6] Epiphanius Anc.,10.81;Haer.,69.44.56:72.1;76.21;Exp.Fidei.18
[7] (De trin.,3.),الإيمان بالثالوث ,مرجع سايق,ص317
[8] وكان هذا المفهوم كان قائم قبل إستخدام ق.غريغوريوس له,ونجد هذا واضح فى كتابات الآباء مثل[أثيناغوراس,إريناؤس,ديونيسيوس السكندرى,هلارى].
[9] ق.أثناسيوس الرسولى:ضد الآريوسيين,الفصل الثالث والعشرون,ص210.
[10] القديس كيرلس الاسكندرى:الكنوز فى الثالوث. مؤسسة القديس أنطونيوس,مراجعة وتقديم وتعليقات دكتور جورج عوض ابراهيم ص164.
[11] القديس أثناسيوس:الرسائل الى سرابيون( 1 : 16).
Athanasius,Ad Ser.,1.17;Ad Jov.,4,etc.;Basil.De Sp.St.18.47;Gregory Naz.,Or.,6.13;25.17][12]

[13]Cross, F.L.; Livingstone, E.A., eds. (1974). "Circumincession". The Oxford Dictionary of the Christian Church (2 ed.). Oxford: Oxford University Press.
[14]Epiphanius,Anc.,10
[15] الآب متى المسكين:حقبة مضسئة فى تاريخ مصر,ق.أثناسيوس الرسولى,ص397.
[16] كلمة واحد هُنا,فى اللغة اليونانية هوhenوتُعنى الوحدة المُحايدة,وتُشير لغوياً إلى وحدة الجوهر,(أنظر المؤلف,أنا والآب واحد).
[17] الآب متى المسكين:الإنجيل بحسب القديس يوحنا دراسة وتفسير وشرح.ج2,ص835.
[18] ق.يوحنا الدمشقى:المائة مقالة فى الإيمان الأرثوذكسى,تعريب الأرشمندريت أدريانوس شكور المقالة الثامنة,ص71.
[19] الحلول المُتبادل.(المعنى والإصطلاح لغوياً)الجزء الأول
[20]ق.يوحنا الدمشقى:المائة مقالة فى الإيمان الأرثوذكسى,تعريب الأرشمندريت أدريانوس شكور المقالة الثامنة,ص65.
20 Strong's/3956
21 Ibaid 1699
[23] الآب جورج الأنطونى:مسأئل لاهوتيه.الفصل ال11,للقديس غريغوريوس ص209,وراجع أيضاً الإيمان بالثالوث.

[24]The Orthodox Faith, 1.14