2026/01/01

الثالوث وميكانيكا الكم: حين يعجز العقل أمام سرّ الوجود(من أفلاطون إلى هايدغر)

 لا يتوفر وصف.


    "الحقيقة ليست مجرد تطابق بين الفكر والشيء، بل هي انكشاف الوجود نفسه، هي اللاتحجب." (مارتن هايدجر)

-        تقوم رؤية هايدغر للحقيقة على أنها انكشاف للوجود، وليست مجرد معرفة عقلية أو تطابق منطقي. اذ ان الوجود واكتشافه يظل معضلة أمام القدرات الإنسانية المحدودة، إذ يضعنا هايدجر أمام سرّ يتجاوز اللغة والمنطق، ويقودنا إلى الحديث عن الوجود والموجودات، المخلوقة والمحدودة.بحالة من الهيبة والغموض

    -لم ترتضى العقول المتقدة بالحماسة العلمية أن تكون أسيرة للنظريات الفزيائية التقلدية، فاندفعوا إلى ابتكار علم بالغ التعقيد وهو "ميكانيكا الكم" أو Quantum Physicsوهو منظومة من المبادئ الساعية الى تفسير سلوك المادة.

 -        فميكانيكا الكم تُعتبر"الصندوق الاسود"الذى لم يستطيع أحد حتى يومنا هذا ان يُفكك أسراره، ولعل أعظم ما يعبّر عن هذا الموقف ما قاله الفيزيائي "|ريتشارد فاينمان"وهو[أحد أبرز رواد ميكانيكا الكم والحاصل على جائزة نوبل]إذ صرّح قائلاً:    "أعتقد أنني يمكن أن أقول بثقة إنه لا أحد يفهم ميكانيكا الكم."

-        ظل هذا العلم العظيم شاهدًا على حدود العقل البشري، وعلى أن الغموض ليس نقصًا، بل هو جزء من طبيعة الحقيقة نفسها، فقدرات الإنسان المحدود، بائنة امام ذلك العلم المحدود،فكم وكم أمام خالق هذا وذاك؟ الخالق الغير محدود[!]

-        منذ ان وُجد الانسان على وجه الأرض، وهو يحمل داخله نزوعا نحو إدراك أسرار الكون والألوهة. اذ يبرز السؤال الكبير: هل يمكن للعقل أن يحيط بالوجود كله؟  فالوجود يكمن في التساؤل لا في الجواب.

-         لقد كان سقراط يرى أن الأسئلة هي الطريق إلى الحكمة، وأن الاعتراف بالجهل هو بداية المعرفة. أما هايدجر فكان يؤكد أن السؤال عن معنى الوجود أهم من أي إجابة جاهزة، لأن الجواب النهائي قد يغلق باب البحث، بينما السؤال يفتح آفاقًا لا نهائية.

-        حين يسأل الإنسان عن الله/ الثالوث، يكتشف أن الجواب ليس امتلاكًا للحقيقة، بل اقترابًا منها. الله يُعلن ذاته جزئيًا، لكنه يبقى محتجبًا في كليته. فالحياة الأبدية هي إدراكٌ ولا إدراك فى آنٍ واحد : رؤية للجزء واحتجاب للكُل. إنه سرّ يتجاوز الفكر، سرّ يضع العقل أمام حدوده، ويجعل الإيمان هو الجسر الوحيد نحو المعنى

-        الغموض في إدراك الطبيعة(المخلوقة) ،هو ذات الغموض في إدراك الطبيعة الإلهية. كلاهما يكشف أن العقل، مهما بلغ، يظل محدودًا. سقراط قال: "كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا." وكانط أكد أن العقل لا يدرك "الشيء في ذاته"، وهايدجر يرى أن الحقيقة هي انكشاف لا ينتهي.

الحجاب والاحتجاب إذن ليسا نقصًا، بل هما سمة الحقيقة نفسها. فالحقيقة ليست أحادية، بل متعددة الأبعاد، تُرى وتُحتجب، تُكشف وتُظلل، وتظل دائمًا أكبر من أن تُختزل في عقل أو لغة. فدوما إمكانياتنا الإنسانية تنهزم امام عظمة الألوهة

2025/12/19

الثالوث و الذكاء الاصطناعي ونظرية الحوسبة وحدود البرهان الرياضي [مسائل غير قابلة للحسم] لاهوت مابعد الحداثة و فلسفة الدين


لا يتوفر وصف.

 

 


 

 

-       كتب "الاب كليستوس وير" [ان الثالوث هو صليب العقل] وهذا حق و حقيقة لاجدال حولها، فمهما كانت منظومتك الفكرية،ورؤيتك عن الاله، سوءا "وحدانية مفردة/مصمطة Solid " او "وحدانية جامعة"، فانت امام "كيان الهى" غير محدود، يصعب ويعثر عليك ان تسبر أغواره 

 .

-       لقد ظهر فى "تاريخ الفكر البشرى History of human thought" العديد من النُظُم الفكرية والفلسفية واللاهوتية ،التى تصيغ الرؤى والافكار العديدة حول الله، مثل  "مذهب الحداثة"،الذى سعى لخلق نُظم فكرية، عقلية،كاملة،مغلقة،ومحكمة  ، بهدف تأسيس معرفة شاملة ومطلقة، مثل مدرسة  " هيلبرت" في الرياضيات،الذى كان يرى أن "العقل البشرى" قادر على تأسيس معرفة شاملة كاملة.اى:معرفة مُطلقة بكل شئ..

 

-       على اثرها ظهرت المدارس الفكرية واللاهوتية"المدرسية Scholasticism " ساعية بكل قواها العقلية والفكرية  (Mental  /Cognitive Mechanism) إلى خلق" Systematic-theology " "يسعى الى قولبة"الإله" فى مجموعة مُصطلحات ونُظم فكرية،تسهُل على العقل الإنسانى إستعابها وهضمها بسهولة.

 -       ولكن  لاهوت ما بعد الحداثة Postmodern Theology والمدرسة الفلسفية "مابعد الحداثة" تُجادل برُمتها أن هذا الأمر غير صحيح، وان فكرة احكام المعرفة،ومطلق اليقين هو "درب من الخيال"imagination، فالمعرفة مهما تعاظمت وتوسعت،تظل محدودة.

 

-       من رواد تلك المدرسة "كورت جودل kurt godel" [ من أعظم علماء المنطق والرياضة والفلسفة فى القرن العشرين]صاحب مبرهنة (Gödel’s Incompleteness Theorems) وهى مُبرهنة تُثبت عدم اكتمال أى (نظام رياضى او منطقى) ،فأى نظام حسابى لايُمكن أن يكون كاملاً ومتسقاً ،فهناك قضايا رياضية  صحيحة لايُمكن إثباتها.

 

-       مُقابل المذاهب الفكرية التى تدعى"اليقينية المُطلقة" يقف اللاهوت المسيحى، كاشفاً  إن الله لايُمكن حَده وحصره، فإن كُنا أمام "الحقائق الرياضية" نعجز عن "البرهنة"فكم يكون الله/الثالوث. وكم يكون الإله الغير محدود،غير الموصوف، فأى شرح يملكه الإنسان نقدر أن نحسبه شرح [كامل ومنطقى ومُحكم ومطلق] أى شرح قادر أن يسبر أغوار"الذات الممتنعة"؟

  

-       وبعد" كورت جودل" جاء [عالم الرياضيات والمنطق ]" آلان تورنج" Alan Turing"[ مؤسس علم الحاسوب] داعما لمذهب "مابعد الحداثة" ،وبنى على  "نظرية جودل" مؤكداً أن هُناك مُشكلات فى منظومة "الفلسفة اليقينية"، كاشفاً عن مُعضلة فكرية اخرى، تُعرف باسم"مشكلة التوقف (Halting Problem) وهى من المسأل الأساسية فى علم الحاسوب،وملخصها ان "علم الحاسوب- نظرية الحوسبة" لايملُك "خوارزميات"تُمكنه من تحديد إمكانية توقف برنامج الحاسوب فى النهاية ام سيستمر الى مالانهاية(وكأنها حلقة لانهائية)

 

-       عجز وضعف ووهن العقل البشرى مُعضلة تقف عائق بينه وبين الله، "فمُبرهنة جودل" توضح لنا أن للعقل حدود، يتجاوزها الله/الثالوث، اذ هو سر يتجاوز كُل برهان عقلى، اما  "مُبرهنة تونج" تكشف لنا أن الله/الثالوث لايُمكن إختزاله فى اى منطق بشرى، فهناك حقائق لايُمكن برهنتها عملياً. 

 

-        ففى العلوم البشرية المحدودة نحن امام  مسائل غير قابلة للحل (Undecidable Problems)، لقد وضعت النظريات الحديثة عقل الإنسان فى مكانه الصحيحة، كاشفة له عن عجزه وضعفه، فإن كُنا نعجز أمام المسائل الحسابية والبرهنة عليها، فهذا يدفعنا إلى الإتضاع humility أمام الرب الإله خالق تلك العلوم المحدودة التى تعجز عقولنا إدراك كُنهها المحدود .

-        الثالوث،الله، لايُمكن إختزاله فى معادلة عقلية بسيطة، بل هو سر...سر يتجاوز كل محاولات  البشر لحسم منتهاه، لايُمكن للعقل أن "يبرمج" ويختزل ثالوثية الله وقولبته فى قوالب فكرية بشرية كاملة

-         

-         

 

 

2025/11/14

الدراما الالهية Theodramatic(المشورة الزلية)

الدراما الالهية Theodramatic 
 
 فى كتابه الماتع يأخذنا MATTHEW W. BATES فى رحلة حول نشأة الثالوث،وفكرته بعيدة كُل البُعد عن المنطق الزمنى(الأريوسية) بل يتحدث عن أزلية الأقانيم،وكيف استخدم الكتاب المقدس طريقة "درامية Theodramatic"يقدر القارئ من خلالها ان يعرف بعضِ من الأمور عن الله.[1]
 
 يُمكنثنا ان نضع تعريف ل "الدراما الالهية Theodramatic" كونه أسلوب تفسير يُقدمه لنا الكتاب المقدس،ليكشف لنا عن لمحات عن حياة interior divine life "الذات الالهية الداخلية"بصورة بشرية،يقدر أن يفهمها القارىء،فى بعض الأحيان تكون هذه الحوارات فى الأزل"مرحلة ما قبل التاريح" لكن الله من حيث ان طبيعته بسيطة وفريدة غير مركبة ليس له أذن ولا أعضاء يحدث بها صوتا بل ان جوهره الاوحد وغير المدرك لايتكون من اعضاء زأجزاء ونفس الشىء ينطبق على الابن والروح القدس(ق.ديديموس الضرير) فهو إذا لايستخدم إلا لغة الإنسان،والطريقة التى يفهما الانسان،لأنه لو تحدث بلغة غير مادية عن اللامادى،فكيف إذا للإنسان ان يفهمها؟
 
لذلك فى نفس المضمار نجد نسب الاعضاء البشرية الى الله مثل [يد،رجل،يمين،عين،وأنف،قلب،يتكلم،يسمع...الخ] وهى ما تُعرف بالأنسنةAnthropomorphous[2]، يقول ق. "ديديموس الضرير" :- " لكن الله من حيث ان طبيعته بسيطة وفريدة غير مركبة ليس له أذن ولا أعضاء يحدث بها صوتا بل ان جوهره الاوحد وغير المدرك لايتكون من اعضاء وأجزاء ونفس الشىء ينطبق على الابن والروح القدس" ونحن نعلم ان الله روح (يو 4: 24).لاجسد له،فحينما نقرا "قال الرب لربى"لاينبغى أن نظن أن الاب له فم ولسان،والابن له اذن ليسمع بها،فلا ينبغى أن نظن أن الاب يقول شئ جديد،لم يكن يعلمه الابن،والعكس ايضاً. وكما يقول ٌ.ديديموس الضرير" 
 
- فحينما يعلن الاب ارادته للابن(الحكمة والحق)كما لو كان لا يعلمها الابن،لان كل ماينطق به الاب –التى فى جوهرها حكمة وحق-يعرفها الابن..عندما يتكلم الاب ويسمع الابن او بالعكس[3] فكل هذا أسلوب "درامى"يستخدمه الوحى لتوصيل فكرة ما،مثل أن هُناك تمايز بين الاب والابن، فالحوار لاينفهم أن هذا يجرى على نحو مايحدث معنا عندما نتحاور ونتحدث بين أنفسنا تباعا(واحد تلو الاخر)لكن بالشكل الذى يناسب الطبائع غير المادية وخاصة فيما يخص الثالوث ... عندما نتناول كبشر شيئا بالحديث فيما بيننا،فنحن اولا نتصور ما يدور فى عقولنا قبل ان ننطق به،وعندما نريد ابلاغه لعقل شخص اخر،فنحن نستخدم اللسان كعضو فى الحركة ونطرق به كأنه ريشة عازف على أوتار الأسنان،فنحدث نغمة صوتية،وهكذا،فكما نتحكم نحن كيف نطرق بلساننا على الحنك(اعلى باطن الفم)والاسنان ونتحكم فى زفيرنا ليخرج منطوقات متنوعة كى مانتواصل مع الاخرين بما فى عقولنا،قبالمثل يكون من الضرورى أن ينصت المستمع بأذنه دون أى عائق وأن يرهف السمع لما يقال حتى يستطيع أن يفهم ما قيل كما يريده قائله أن يفهمه(ق.ديديموس الضرير)
 
 فالله غير ذلك تماما ،وكما يقول فلاسفة المتكلمين،ماخطر ببالك فالله غير ذلك، فالاب لايملك فم يتحدث به،والابن لايملك اذن ليسمع بها، بل هو أسلوب درامى يكشف لنا بعداً لاهوتيا أبعد وأعمق من كونه" حوارات إلهية Divine Dialogues"من ضم تلك الأبعاد هو التأكيد على تمايز الابن عن الابن عن الروح القدوس،والتمايز هُنا تمايز أقنومى،وايضا يُعبر عن أزلية كُل منهم أثناء تصويره عن حوار أزلى بينهم. يُلخص ق.ديديموس الضرير تلك الفكرة قائلاً:- "عندما نقول ان هناك "حديث وحوار"داخل الثالوث فعلينا ألا نفهم أن هذا يجرى هاة نحو مايحدث معنا عندما نتحاور ونتحدث بين أتفسنا تباعا(واحد تلو الاخر)لكن بالشكل الذى يناسب الطبائع غير المادية وخاصة فيما يخص الثالوث ... 
 
 [1] The Birth of the Trinity Jesus, God, and Spirit in New Testament and Early Christian Interpretations of the Old Testament MATTHEW W. BATES
 
 [2]مارك شريدن،لغة الله حسب التقليد الابائى/112-128
 
 [3] ق.ديديموس الضرير،الروح القدس،154-158