
"الحقيقة ليست مجرد تطابق بين الفكر والشيء، بل هي انكشاف الوجود نفسه، هي اللاتحجب." (مارتن هايدجر)
- تقوم رؤية هايدغر للحقيقة على أنها انكشاف للوجود، وليست مجرد معرفة عقلية أو تطابق منطقي. اذ ان الوجود واكتشافه يظل معضلة أمام القدرات الإنسانية المحدودة، إذ يضعنا هايدجر أمام سرّ يتجاوز اللغة والمنطق، ويقودنا إلى الحديث عن الوجود والموجودات، المخلوقة والمحدودة.بحالة من الهيبة والغموض
-لم ترتضى العقول المتقدة بالحماسة العلمية أن تكون أسيرة للنظريات الفزيائية التقلدية، فاندفعوا إلى ابتكار علم بالغ التعقيد وهو "ميكانيكا الكم" أو Quantum Physicsوهو منظومة من المبادئ الساعية الى تفسير سلوك المادة.
- فميكانيكا الكم تُعتبر"الصندوق الاسود"الذى لم يستطيع أحد حتى يومنا هذا ان يُفكك أسراره، ولعل أعظم ما يعبّر عن هذا الموقف ما قاله الفيزيائي "|ريتشارد فاينمان"وهو[أحد أبرز رواد ميكانيكا الكم والحاصل على جائزة نوبل]إذ صرّح قائلاً: "أعتقد أنني يمكن أن أقول بثقة إنه لا أحد يفهم ميكانيكا الكم."
- ظل هذا العلم العظيم شاهدًا على حدود العقل البشري، وعلى أن الغموض ليس نقصًا، بل هو جزء من طبيعة الحقيقة نفسها، فقدرات الإنسان المحدود، بائنة امام ذلك العلم المحدود،فكم وكم أمام خالق هذا وذاك؟ الخالق الغير محدود[!]
- منذ ان وُجد الانسان على وجه الأرض، وهو يحمل داخله نزوعا نحو إدراك أسرار الكون والألوهة. اذ يبرز السؤال الكبير: هل يمكن للعقل أن يحيط بالوجود كله؟ فالوجود يكمن في التساؤل لا في الجواب.
- لقد كان سقراط يرى أن الأسئلة هي الطريق إلى الحكمة، وأن الاعتراف بالجهل هو بداية المعرفة. أما هايدجر فكان يؤكد أن السؤال عن معنى الوجود أهم من أي إجابة جاهزة، لأن الجواب النهائي قد يغلق باب البحث، بينما السؤال يفتح آفاقًا لا نهائية.
- حين يسأل الإنسان عن الله/ الثالوث، يكتشف أن الجواب ليس امتلاكًا للحقيقة، بل اقترابًا منها. الله يُعلن ذاته جزئيًا، لكنه يبقى محتجبًا في كليته. فالحياة الأبدية هي إدراكٌ ولا إدراك فى آنٍ واحد : رؤية للجزء واحتجاب للكُل. إنه سرّ يتجاوز الفكر، سرّ يضع العقل أمام حدوده، ويجعل الإيمان هو الجسر الوحيد نحو المعنى
-
الغموض في إدراك الطبيعة(المخلوقة) ،هو ذات الغموض في إدراك الطبيعة الإلهية.
كلاهما يكشف أن العقل، مهما بلغ، يظل محدودًا. سقراط قال: "كل ما أعرفه أنني لا
أعرف شيئًا." وكانط أكد أن العقل لا يدرك "الشيء في ذاته"، وهايدجر
يرى أن الحقيقة هي انكشاف لا ينتهي.
الحجاب والاحتجاب إذن ليسا نقصًا، بل هما سمة الحقيقة نفسها. فالحقيقة ليست أحادية، بل متعددة الأبعاد، تُرى وتُحتجب، تُكشف وتُظلل، وتظل دائمًا أكبر من أن تُختزل في عقل أو لغة. فدوما إمكانياتنا الإنسانية تنهزم امام عظمة الألوهة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق