2015/08/07

الإنجماع الكُلى فى المسيح.حسب تعاليم أباء الكنيسة



  • يُحِقِق الإنسان شخصيته من خلال"سر الشركة",ذلك السِر الذى باتَ كحقيقة قائمة بين الإنسان وبين الله,وهذه الحقيقة تحققت فى"ملئ الأزمنة.حينما أرسل الله إبنه مولوداً من امرأة(غلاطية4:4).
  • ففى ملئ الزمان ينتهى زمان ويبدأ زمن آخر,فقد إنتهى زمن العبودية وإنتهت مَعَه إنسانيتنا العتيقة(2كو17:5),إنه زمن التجديد... الإنجماع.إنه بالحقيقة زمن الشركة,شِركتنا فى الله وشركة الله فينا. .إنه ملئ الخليقة الجديدة(2كو17:5)وكلمة الخليقة هُنا قد جائت بصيغة مؤنث,وفى هذه الحالة بحسب قواعد اللغة ,يكون المقصود هو"التحرك والعمل والإنتاج "[1]فيكون المقصود إن هذا الزمان هو زمن الخليقة الجديدة,التى يجب أن تنمو وتتحرك نحو الله لكى ما تقدر أن تُحِقق كينونتها.
  • لعل الرسول يقصد هنا بالسرّ الذي يعلنه للمؤمنين هو على وجه الخصوص تحقيق خطة الله في ملء الأزمنة، حيث يعمل بكمال سلطانه وملئها لخِلق جماعة مسكونية من المؤمنين في المسيح، مقدسة فيه[2].وربما ملء الزمان يعني انتهاء زمان الإنسان، زمان الخطية والشقاء واللعنة، ومجيء أيام الله: » أيام ابن الإنسان «(لو 26:17)، » أنا اليوم ولدتك «(عب 5:1)، التي ليست من هذا الزمان بعد، وهي أيام الخلاص والبر والمصالحة والحياة الجديدة التي لا تمتُّ إلى هذا الزمان. فهي بمثابة إنفتاح السماء على الإنسان لتلقِّي روح حياة جديدة ليست من هذا الزمان ولا من هذا العالم. حيث اليوم فيها بألف سنة زمان، وحيث لا يولد الإنسان بعد ليدب على الأرض كحيوان الخلقة الأٌولى، بل يولد من فوق ليعيش لفوق[3].
  • إنه زمن الدعوة..الدعوة إلى التحقق والتحقيق  من "كينونة الإنسان".زمن إكتمال إقنومية الإنسان,تكلم عنه ق.بولس فقال: [تَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ][أف10:1].ولم يِقِصِد ق.بولس إجتماع المؤمنين عند المسيح فحسب[!].بل إن لهذه الأية معنى أعمق بكثير من ذلك.
  • فالكلمة المُستخدمة هنا هيا[ἀνακεφαλαιώσασθα]أى[ليجمع كل شئ فى المسيح], [Recapitulation],وهيا تُعنى عند اليونان [مجموعة من الآرقام],ولكن إستخدمها آباء الكنيسة  بمعنى بلاغى أعمق ,للتدليل على مجموعة أخبار أو مواضيع,يوضع لها عنوان تدليلى يجمعها..فيكون المقصود هو[يجمع تحت رأس] بهذا المعنى تماماً يستخدم ق.بولس هذه الكلمة التى تُرجمت"يجمع كل شئ"فى شرح خطة الله الأزلية التى قصدها منذ الدهور,لتكمُل زمان الخلاص بالنسبة للخليقة كلها حينما يجمعهاً معاً فى المسيح,وهو تعبير جيد إذ يعطى فى النهاية إجابة عن معنى وسبب وموقع كل مخلوق أو خليقة من الله بواسطة المسيح والكل فى خضوع إلهى وانسجام فائق[4].
  • وهذا يعنى أن المسيح سيُصالح كل أجزاء الخليقة,الواحد بالآخر,ثم الله ,بعد الذى صنعته الخطية فى الخليقة من تفتت وإنقسام وعداوة شديدة أبعدت الكل عن أنفسهم وعن الله ,لذلك لزِم التوحيد العام بالرأس الواحد المسيح فى وحدة مكتملة ناضجة مثمرة كما يقول ق.بولس فى الرسالة إلى رومية[لآنه منه وبه كل الأشياء..][رو36:11][5].
  • وعلى هذا الآمر  تقوم تعاليم ق. إيرينيئوس اللاهوتية فيقول:ـ[فإن المسيح كما قلنا قد وحد الإنسان مع الله..لقد كان لائقاً أن الوسيط بين الله والناس,بحق قرابته الخاصة مع كل منهما,يعيد الألفة والتوافق بينهما,ويقدم الإنسان إلى الله ويُظهر الله للإنسان..لإنه من أجل ذلك قد جاء مجتازً فى جميع الأعمار[مراحل نمو المسيح]لكى يعيد للجميع الشركة مع الله][6]
  •   فكان لتجسد إقنوم الإبن أثره البالغ على الطبيعة البشرية-التى أخذ منها جسده-فتلك الطبيعة الفاسدة أصبحت سُكنى وقُدس لله ,أى إنها تقدست وتحول فسادها إلى لا شئ,نعم فـ[حينما صار الكلمة جسداً][يو14:1]فإنه[سكن فينا],هكذا يُعبر ق.يوحنا عن هذا الحد قائلاً[ἐσκήνωσεν ἐν ἡμῖν]وهيا تُعنى بالتحديد[جِعلنا مسكناً طقسياً][7].
  • وحينما نقول إنه جعلنا [مسكناً طقسياً]فإننا نُشير إلى الكلمة اليونانىἐσκήνή,وهيا تُعنى عضواً عن قُدس الأقداس,الذى كان يسكُن فيه فى العهد القديم,فلم يعُد الرب فى العهد الجديد يسكُن فى خيمة موسى فى البرية ولا هيكل سُليمان فى أورشليم بل قد صار يسكُن فينا نحن,فى لحمنا ودمنا اللذين أخذهما منا ليتمكن بهما أن يحل ويسكُن داخلنا,فصرنا[بيته نحن][عب6:3] [8].
  • فلسُكنى الله فى خيمتنا[ أى جسدنا],وحينما نُصبح نحن قُدس أقداسه [هيكله المُقدس]فلكُل هذا أثره البالغ على شخصية الإنسان,الإنسان الذى فقد شخصيته وشوه أيقونته الإلهية التى طُبعت فيه حينما خُلق[تكوين26:1ُ],وهذا الأثر يظهر بوضوح حينما يُحقق الإنسان إقنوميته,أو يُمكننا أن نقول إن الله هو من حقق إقنومية الإنسان بتجسده.
  • فإن كان السيد الرب فى صلاته الوداعية يُردد قائلاً:[لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا][يو21:17],ففى هذه الصلاة تتجلى أمامنا عظمة [سر الإتحاد بالله],ولهذا السبب كانت الكنيسة على مر العصور تُصلى من أجل هذا الإتحاد وتدعوا الجميع له,وأخيراً نُصلى نحن ب[صلاة قسمة]من أروع ما كُتب عن [إتحادنا بالله][عند أصعاد الذبيحة على مذبحك تضمحل الخطية من أعضائنا بنعمتك، عند نزول مجدك على أسرارك ترفع عقولنا لمشاهدة جلالك، عند إستحالة الخبز والخمر إلى جسدك ودمك تتحول نفوسنا إلى مشاركة مجدك وتتحد نفوسنا بألوهيتك ][9] .
  • ففى صلاة المسيح قائلاً:[لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا][يو21:17].هو بالحرى يِكشِف لنا حقيقة وهدف [التدبير الإلهى]إلا وهو [الإنجماع],إنجماع كُل الخليقة تحت رأس واحد وهو المسيح.كما إن  فى هذه الصلاة ينتقل المسيح فى سؤاله من أجل وحدة الكنيسة فى ذاتها ,إلى الوحدة"فينا"أى فى المسيح والآب,واضح هُناك أن بلوغ الكنيسة حالة الوحدة فى ذاتها هو الذى يؤهلها للاتحاد بالمسيح والآب,وهذا ظاهر من تسلسل الإرتقاء بمفهوم الوحدة"ليكون الجميع واحداً ,ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا"[10].
  •   فلا يُمكننا أن نقول على أى إنسان إنه"شخص"( persona-(ύπόστασςإلا إذا وُجد شخص أخر معه[11],وهذا الآخر هو من يُبادل الإنسان مشاعره وحُبه فى حركة دائمة,وفى أثناء هذا التبادل يتحقق إقنومية الشخصيين معاً.ولكن فى حالة التجسد فالأمر يِختلف لإن إقنوم الكلمة قد حقق إقنوميته[فى الأزل] من خلال إقنومى الآب والروح القدوس.لذا نحن نقول عن كل من [الآب والإبن والروح القدوس]إنهم أقانيم.
  • فلو لم يحدُث التجسد ويتم الإتحاد,لأصبح الإنسان مُجرد"فرد"[atomos]لا يكتمل ولا يتحقق وجوده الإنسانى[12] .فهذا الوجود الإنسانى لا يتم إلا من خلال آخر-بالنسبة للإنسان والإنسانية-وهذا اللآخر وجده الإنسان,أو قول هو وجدنا,ووحدنا فى جسد بشريته.
  • لذا فالحديث عن[الإنجماع الكُلى]كان شِبه مُستحيل إذا لم يجد الإنسان[شخص أخر],أو بمعنى أخر كان مُستحيل أن يحدث إذا لم يحدث [التجسد],لإن [الإنجماع الكُلى]هو نتيجة للتجسد,لذا يقول ق.غريغوريوس النزينزى عن هذا السر [إن غاية هذ السر الأعظم من نحونا هو أن أرث معه وأصير ابناً لله,بل وأصيرالله نفسه][13].[وليس بكل تأكيد أن أحل مكان الله,بل المقصود أن أصير فى وحدة مع الله.
  • فهذه العقيدة [إنجماع الخليقة تحت رأس واحد وهو المسيح],هيا العقيدة المُكملة لعقيدة[التأليه],إن لم يكون الإثنان واحداً.فلا نقدر أن نُميز بين الإتحاد والتأله والإنجماع,كحقيقة وأمر واقع.لإن الثلاث مُصطلحات تُعبر بالحرى عن هدف وغاية الله .
  • ومِن روائع ق.كيرلس الكبير فى هذا النَّسَقُ قوله[إن قوة الله الآب المُحيية هى اللوغس..هذا قد أرسله لنا الآب مُخلصاً وفادياً..وقتنى لنفسه ذلك الجسد المأخوذ منها[من العذراء]وذلك لكى يغرس نفسه فينا باتحاد غير مفتقر...فحينما نأكل جسد المسيح مخلصنا كلنا,ونشرب دمه الكريم,فإننا نقتنى الحياة داخلنا ونصير بنوعٍ ما واحداً معه] [14].
  • وتحقيق الوجود الإنسانى وإكتماله[الإنجماع] ليس هو-مُجرد-حالة وصول[إكتمال].فالله وحده هو الذى وصل,وحده هو الكامل بهذا المعنى,ويتم الكمال الإنسانى فى النمو المُستمر نحو الكمال[الله]فى رحلة مُستمرة من صورة الله إلى شبه الله,تحول مُستمر [15].
  • فحينما تجسد الله الكلمة,كانت هذه إشارة منه لبدء رحلة يُسميها الآباء"الشركة",فالتجسد كان حقاً دعوة لبداية"أبدية"يتم تأكيدها فى جُرن المعمودية,ولا تنتهى,إنها رحلة قد بدئها الكلمة المُتجسد,وإستكملها الإنسان ولن يُنهيها أى منهم[الله والإنسان],حتى عندأى المجى التانى( (parousia.
  • رحلة نحو اللانهاية,رحلة جعلتنا نحن مسكن و[بيت الله]فصدق بولس القول حينما قال[أما المسيح فكابن على بيته,وبيته نحن إن تمسكنا بثقة الرجاء][عب6:3]فأصبح الإنسان هو بيت الله الذى يستريح فيه,ويجد راحته,ولهذا يدعوه داود إلى هذا البيت قائلاً:[ قم يا رب إلى راحتك][مزمور131] فأكثر موضع يستريح فيه الرب هو قلب الإنسان.
  • وللأب متى المسكين تعليق هائل جدا حول تِلك النقطة فيقول:ـ[انظر أيها القارئ العزيز,ما أصغر هذه الجملة,ولكن بقدر صغرها بقدر ما حوت من حوادث وأهوال يشيب من هولها الولدان,فعلى هُداها احرق الهيكل وأفرغت المدينة من هيئتها وسُكانها وصارت عاراً على أصحابها,هذا كله لكى يحول الله بيته القديم إسرائيل فى معناه الأول كخيمة شهادة أو خيمة أجتماع مع الله ثم هيكل الله العظيم فى أورشليم إلى "بيته نحن"أى الكنيسة حيث انتهت عصور وجاءت عصور ,ووقف الصليب بدمه يحجز بين الصفين...و"بيته"بمعناه الأقصى سراً هو جسده,حيث فيه هو رأس البيت ورئيس الكهنة,وبيته أيضاً هو عروسه ,ومدينة مقدسة مزينة فى السماء,هكذا صار وهكذا هو كائن الآن. أن بيته لم يعد هم اليهود ولا بنو إسرائيل بل"نحن"[16].
  • إنه"سِر"تحقيق إقنومية الإنسان,الذى تحقق من خلال المُصالحة التى تمت بين السمائيين والآرضيين.لهذا السبب نحتفل كُل يوم بهذا السر العظيم,فنحتفل اليوم وكُل يوم بسر الإتحاد والمُصالحة الذى تم بين اللاهوت والناسوت,بين الله والإنسان اليوم إنفتح الطريق للإنسان نحو الله,وطريق الله إنفتح نحو النفس البشرية...لقد ظل أدم وحده ولو لم تتحد به المرأة التى حُبلت منه لما انتجت نسلاً,وهكذا النفس أيضاً,إن لم تتحد بالمسيح وتدخل فى شركه معه لا تستطيع[النفس] أن تثمر ثمار الروح.[17]


النعمة معكم.

مينا فوزى...

 


[1] القمص تادرس يعقوب ملطى:تفسيرا وتأملات الآباء الاولين.رسالة كورنثوس الثانية,ص166.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطى من تفسير وتأملات الآباء الاوليىن . رساله بولس الرسول الى اهل افسس ص34-35

[3] الاب متى المسكين شرح رسالة القديس بولس الرسول الى اهل غلاطية, ص264-

 [4] فقد وردت هذه الكلمة مرتين فى العهد الجديد مرة فى رسالة أفسس,,مرة أخرى فى (رومية90:13),وقد وردت بمعنى الإنجماع تحت رأس.راجع قاموس سترونج تحت ترقيم346.

 [5]  الآب متى المسكين شرح الرسالة إلى أفسس للقديس بولس الرسول ص113-116

[6] ضد الهرطقات7:18:3

[7] راجع قاموس سترونج تحت ترقيم4637.

[8] التجسد والميلاد فى تعليم آباء الكنيسة ص10

[9] ولكى لا يدعى البعض إن هذه القسمة غير سليمة وبها الكثير من الأخطاء,نقول إن هذه الصلاة موجودة فى الخولاجى المقدس.ص410.إصدار كنيسة ق.أنبا أنطونيوس-أبو ظبى,وقد حصل على موافقة اللجنة الطقسيةفى المجمع المقدس .حسب جلسة1-5-2003.

 [10] الآب متى المسكين:الإنجيل بحسب ق.يوحنا دراسة.شرح.تفسير,ج2,ص1074

[11] د.مارك شنودة .الإفخارستيا سر حياة, ,مراجعة نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل.ص232

[12] المرجع السابق

[13] عظة23:7

[14] ق.كيرلس الكبير:عشاء الرب(تأسيس سر الإخارستيا),العظة رقم142.

[15] الآب أنتونى م,كونيارس.تحقيق طاقتك الكامنة فى المسيح.ص34.

 [16] الآب متى المسكين شرح ودراسة الرسالة إلى العبرانيين,دير ق.الآنبا مقار.ص291.

 [17] عظة القديس مقاريوس عن الميلاد مجلة مرقس عدد يناير 1971.

 

2015/08/04

إنفصال الأقانيم.أخطاء منسوب للآب متى المسكين.ج5.




هل علم القمص متى المسكين بإنفصال الآب عن الإبن؟


  • يتدعى البعض إن الآب متى المسكين يقول إن الآب قد ترك الإبن,وهذا خطأ لاهوتى,وفكر غريب.وهُنا كما تعودنا سنوضح ما قاله الآب متى المسكين.ونُبين خطأ فى فِهم هؤلاء.

  • فيقول الآب متى:ـ[ولكن لم يقبل المسيح عار الصليب كجزء من رواية كما هو مقدَّم الآن في هذا الفصل، بل إن العار الذي حمله المسيح كسر قلبه: «العار قد كسر قلبي «(مز 20:69). فأن يحمل المسيح كرامة أبيه ولقبه «أنا هو «الذي هو لقب يهوه العظيم، ويؤكِّد أنه جاء باسم أبيه ليعمل مشيئته، ويصنع المعجزات التي تكشف عن أي سلطان يحمل، ثم بعد ذلك يتعرَّى ويُصلب على خشبة كمجرم ويشهَّر به بين الناس، هنا يبلغ العار مضادته العظمى: حامل المجد كيف يحمل عاراً. وهي ليست مضادة مجازية أو فكرية، بل مضادة جوهرية يستحيل حدوثها بأي حال من الأحوال. فعار الابن يلحق الآب ولا محالة!! والعار لعنة، واللعنة إن أصابت الابن أصابت الآب حتماً. لذلك لولا أن المسيح كشف لنا سر اللعنة التي حملها لظلَّ الصليب لغزاً لاهوتياً غير مقبول بل عثرة. هنا كشف المسيح الستار عن كيف تحمَّل المسيح العار وحده، عندما رفع صوته بصراخ ليسمعه الجميع وتسجِّله الأناجيل والتاريخ وعلماء اللاهوت: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟ «(مر 34:15). هذا هو الترك الحتمي الذي أجراه الله على المسيح حتى يمكن أن يجوز اللعنة وحده من أجل البشرية التي يحملهافلولا هذا الترك الإلهي لما صحَّ الصليب ولما صارت اللعنة لعنة بل ضحكاً!! هنا صار الصليب صليباً حقا وزادت مرارته ألف مرَّة. فَتَرْك الله الآب له هو أشدُّ هَوْلاً من آلام الصليب مراراً، بل هو الموت حقا الذي ذاقه المسيح بالترك قبل أن يذوقه بالموت على الصليب. فالمسيح صُلب مرَّتين، صُلب بترك الآب له عمداً وصُلب بيد الأشرار قهراً. أو هو صليب ذو وجهين، وجه سماوي قاتم قتام الظلام الحالك لا نور فيه لاختفاء وجه الآب، ووجه أرضي اظلمَّت له الدنيا كرجع وصدى لظلمة السماء، فاختفى نور الشمس لاختفاء نور وجه الآب عن الابن رب الخليقة ونورها، كرد فعل للجريمة التي اقترفها الإنسان من نحو الابن!!][1].


  • بادئ ذى بدء إن الآب متى المسكين لم يقول إن الآب إنفصل عن الإبن,فلم نجد فى ما قيل أى شئ يُوحى بهذه الهرطقة.التى يُريدون إقحامها فى كتابات الآب متى المسكين,فنُطالبهم بعد ما وضعنا نص الكلام أنفاً.أن يأتوا لنا بنص واحد يقول إن هُناك إنفصال بين الأقانيم.



  •   بل إن المعنى المقصود هو[الترك التدبيرى]الذى لم ولن يخرج عن كونه[SALVATION    ECONOMY]  أى تدبير الخلاص .بمعنى إن الآب قد ترك الإبن يجتاز ألم الصليب. مثلما تركه حينما[أخلى ذاته],وحينما[مات على الصليب].وعند [نزوله إلى الجحيم],وعند[صعوده إلى السماء.فهذا النوع من الترك بعيد كُل البُعد عن[إنفصال الأقانيم].فيكون معنى الترك هُنا هو[الرضا],أو[الموافقة].


  •  فالآب ترك بمعنى[وافق],[راضى] على إجتياز الإبن الصليب,وقبله الإخلاء,وبعده ألم الموت ونزوله للجحيم ثم قيامته وصعوده للسماء,كُل هذه يقع فى بوتقة[سر تدبير الخلاص]الذى كان فِي خَلَدِالله وأتمه المسيح منذ لحظة[الإخلاء]حتى صعودة وجلوسه عن يمين الآب.فلم يكون القصد هو[إنفصال إقنومى]قد حِدث .ثم ما هيا الكيفية التى سينفصل بها إقنوميين لهُم نفس الجوهر؟فهذا الإنفصال يُحتم تنازل أحدهم عن الجوهر الإلهى للأخر.وهذا ما لايُمكن تخيله[حتى فى فكر أعتى الهراطقة].

  • فضلاً إنه لو لم يحدث هذا الترك,لتحولت قصة الفداء إلى مسرحية يُجسد فيها الإبن بطولة زائفة.بل وأقول إنه لو لم يحدث هذا الترك لبات خلاص البشرية شئ مُستحيل.فكان لابد من الترك لخلاص البشرية,ولكن الترك كما شرحناه وليس كما فهمه البعض.



  • ويؤكد هذا الأمر البابا شنودة الثالث قائلاً:ـ [ليس معناها الانفصال، وإنما معناها: تركتني للعذاب.  تركتني أتحمل الغضب الإلهي على الخطية[2].  هذا من جهة النفس.  أما من جهة الجسد، فقد تركتني أحِس العذاب وأشعر به.  كان ممكنًا ألا يشعر بألم، بقوة اللاهوت..  ولو حدث ذلك لكانت عملية الصلب صورية ولم تتم الآلام فعلًا، وبالتالي لم يدفع ثمن الخطية، ولم يتم علمية الفداء].[3]

   
  • ونفس الكلام عينه قاله الأنبا بيشوى:ـ[إن هذه العبارة لا تعنى ترك الآب للابن بمعنى الانفصال أو الابتعاد بينهما، ولكنها تعنى (لماذا تركتني في هذا العذاب.)[4].



  • فنخلص إلى إن لابُد أن يحدث هذا الترك,وهذا الترك يُسميه الآب متى"ترك حتمى"من جهة التدبير(تدبير الخلاص),وهذا الترك هوالترك للألم,ولأن هذا الترك قائم على أساس لاهوتى وهو الخلاص,كان لابد من أن يتم,وليس فى قول السيد المسيح,أى إشارة لترك الآب للإبن من جهة الطبيعة الواحدة.بل هو ترك بمعنى "الموافقة "والرضا,والترحيب,ولهذا قد أعطى الأنبا بيشوى مثال قد أخذه من البابا شنودة يقول:ـ[مثلما يأخذ أحد الأشخاص ابنه لطبيب الأسنان ويمسك بيده وهو على كرسي الطبيب أثناء الحفر في أسنانه، وحينما يشعر الإبن بالألم يقول لأبيه (يا بابا أنت سايبني ليه؟!) فيقول له والده (أنا معك يا ابني ولم أتركك)][5].


  • وهذا ما قاله القمص متى المسكين تحت عنوان[توضيح لاهوتى].قائلاً:ـ[إن ترك الآب للإبن لم يتم من جهة الطبيعة، لأننا نؤمن أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين، وأن لاهوت الابن ولاهوت الآب واحد لا ينقسم. ولكن الترك تمَّ فعلاً من جهة التدبير أي بانحجاب وجه الآب ومعونته زمنياً عن المسيح المتجسِّد حتى يمكن أن يتقبَّل الموت واللعنة زمنياً ويتم الفداء.][6].



  • وحينما يقول الآب متى[إن عار الإبن أصاب الآب]لايُعنى إن الأب أصبح مُصاب باللعنة,بل الإبن ذاته لم يُصاب بها,ولكن فى قول الأب متى هذا تدليل أبائى رائع,فإن قولنا إن الموت قد أصاب اللإبن لايُعنى إنه قد نال منه بل إن الموت قد بلغ الإبن ولكنه لم يقدر عليه.
  • فيقول ق.كيرلس الكبير:[إن رب المجد قد إحتمل إهانات اليهود وإحتمل الموت تدبيرياً على الخشبة,ليس لكى يبقى مائتناً معنا,بل لكى يبطل سلطان الموت الذى لم يستطيع أحد أن يقاومه,ولكى يعيد عدم الفساد إلى طبيعة الإنسان لإنه كان حقاً إلها فى الجسد][7].
  •  إن الجسد المائت -القابل للموت-المأخوذ من المائتيين المستعبدين للموت قد صار هو نفسه جسداً للحياة-اى للوغس-لكى بهذا الجسد الذى كان خاضعاً للموت بحسب طبيعته الخاصة يتمكن أن يُحارب الموت وذلك بأن يقيمه من الأموات ويشكله من جديد فى عدم فساد وفى نصرة على الموت لأن الموت حينما أصاب جسد الحياة إنعدمت قوته

  • ومثال توضيحى[إن ضِرب العدو جندى مصرى فى الحرب,فنقدر أن نقول إن الطلقة قد أصابت الجُندى,وبلغت إليه,ولكنها لم تقدر عليه ولم تنال منه]وهذا ما حدث وما يقصد الآب متى المسكين,فاللعنة قد أصابت[وصلت,,أدركت]الإبن,ولكنها لم تنال منه,ولم تقدر عليه,بل هو من تغلب على تلك اللعنة.رغم إن اللعنة قد أصابت جسد الكلمة, ويجب أن لا نفصل الطبيعتين لكى لا نقع تحت حُرم ق.كيرلس الكبير[8].لذا نقول إن الموت قد أدرك الكلمة المُتجسد,وفى هذا الإدراك تم إبطال قوته ومفعول الموت.مثلما يطرح المُصارع خصمه أرضاً.


  • ويقول الآباء فى ذلك ولا سيما ق.كيرلس:ـ[كإله يُبطل ضعفات الجسد,بأن يقتنيها لنفسه خاصة بصفتها قد وقعت على جسده الخاص,,وهكذا يُقال عنه إنه جاع وضعف وتألم من أجلنا][9],وهذا ما نقوله فى صلواتنا قائليين[اقتل أوجاعنا بآلامك الشافية][10].


  • فقد أخذ الجسد كأداة[الحديث هُنا عن الله الكلمة]من أجل الأفعال الجسدية ليحتمل به الضعفات الطبيعية البريئة..وهكذا اقتنى لنفسه نفساً بشرية كأداة ليحتمل بها الآلام البشرية..][11].فالجسد يحوى فى ذاته اللوغس [12].غير المتألم الذى كان يبطل الضعف اللاصق بالجسد,وقد فعل ذلك لكى اذ يقبل ما هو لخاصتنا فى نفسه ويرفعه ذبيحة عنا ,ويبطل بذلك عنا.[13].


  • إذاً كان هُناك ضرورة,لهذا الترك[للألم,وعذاب الموت]وهذه الضرورة تتضح فى الخلاص,فحينما يبلغ الموت الكلمة المتجسد,وحينما تبلغه اللعنة,حينها فقط تبطل كُل قوة الموت,وتبطل كل لعنة الخطية,وهذا ما تم على الصليب,وقت [ترك الرضاء والموافقة] الذى فعله الآب مع الإبن.


  • وليس فى قولنا هذا أى تلميح إلى نظرية إسترضاء الأب.بل نُعنى إن الأب راضى على ما يحدث,اى موافق,وليس قصدنا ما نادى به ق.إنسلم[من الكنيسة الكاثوليكية]من إن الأب كان غاضب فالإبن إسترضاه على الصليب.فذال الغضب عن وجه الأب.بل رضا الأب لايخرج عن كونه رضاء لإتمام فداء الإنسان فقط.



  • أما بخصوص تعجب المشكك من قول القمص متى المسكين[إن المسيح صلب مرتين]فتلك الجُملة لاتُعنى إنه عُلِق على الصليب مرتيين,بل كلامه واضح وضوح الشمس لمن يشاء الفهم,فقصده [إن فى ترك الآب له على الصليب لهو شئ صعب,وهذه الصعوبة فى ذاتها صليب,مثلما نقول نحن على[ المرض] إنه [صليب]وهذا ما شرحه القمص متى قائلاً:ـ[. فَتَرْك الله الآب له هو أشدُّ هَوْلاً من آلام الصليب مراراً، بل هو الموت حقا الذي ذاقه المسيح بالترك قبل أن يذوقه بالموت على الصليب. فالمسيح صُلب مرَّتين][14].


  • وليس فى هذا القول شئ غريب.فقد قال بولس شئ مُشابه لذلك حينما قال[إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه](عبرانين6:6),فهل بولس الرسول هو الآخر [مُهرطق]ومُخطئ؟أم إنه تعنُت من أجل النقض فقط؟. فإن كانت خطيتنا تِصلب المسيح,والمعنى هُنا ليس حرفى,بل يمكن أن نفسره على أساس إن فى خطيتنا نجرح رب المجد ثانيه,فمن يتسأل مُعترضاً[كيف يقال أن المسيح صلب مرتين]نقول له كل مرة يخطئ فيها إنسان يُصلب فيه رب المجد,إن قالوا إن الصلب هُنا رمزى وروحى,نقول لهم والقمص متى يقصد الصلب الروحى ,قاصداً إن فى ترك الأب ذاته ألام تُعادل الصلب.


تم بنعمة الله
مينا فوزى



[1] الإنجيل بحسب ق.مرقس دراسة وتفسير وشرح,الآب متى المسكين ص607.
[2] نورد قول قداسة البابا شنودة كما هو.رغم عدم إرتياحنا لهذا التعبير,لان به عوار لاهوتى خطير.فضلاً إن هذا التعبير لم يستخدمه أحد من أباء الكنيسة شارحى العقيدة,بل هو فكر دخيل على الأرثوذكسية من خلال ما يُعرف باللاهوت الغربى.

[3]البابا شنودة فى( سنوات مع إيميلات الناس) \أسئلة عن الكتاب المقدس\معنى آية: إلهي إلهي لماذا تركتني.

[4] كتاب المسيح مشتهى الأجيال: منظور أرثوذكسي (مع حياة وخدمة يسوع) - الأنبا بيشوي\ 194- إلهي إلهي لماذا تركتني؟.

[5] المرجع السابق.

[6] الإنجيل بحسب ق.مرقس دراسة وتفسير وشرح,الآب متى المسكين ص607.

[7] ضد ثيؤدور 6Library of Fathers of the Holy  Catholic Church, oxford.p323
 [8] ا لحرمان الثانى من حرومات ق.كيرلس الكثبير الاثنا عشرة ضد نسطور.

[9] القديس كيرلس .تعاليم فى تجسد الإبن الوحيد 8.
 [10] من قطع صلوات الساعة السادسة.

[11] القديس كيرلس الكبير ,المسيح الواحد.ص75.

[12] بحسب تعبير ق.غريغوريوس اللاهوتى فاللوغس غير المحوى أصبح محوى رغم إنه لايُحوى,وهذا ما يُعرف باللاهوت السلبى.ولاهوت النفى.

[13] رسالة6:59.


[14] الإنجيل بحسب ق.مرقس دراسة وتفسير وشرح,الآب متى المسكين ص607.