2019/07/10

نحن واليهود ولعازر



لعازر، صديق المسيح، الذي من بيت عنيا، قام...

كُثُراً كان الشهود. وقد أقامه يسوع بعد مرور أربعة أيام على رقاده. كان يُفترض به أن يكون قد أنتن. ثمّ قبل الفصح بستّة أيام، وفق ما ورد في النصّ الإنجيلي اليوحنّائي، عملياً قبل تسليم يسوع بقليل، أتى الربّ إلى بيت عنيا فصنعوا له عشاء وكان لعازر أحد المتّكئين معه (يو 12). "فعلم جمع كثير من اليهود أنّه هناك فجاءوا ليس لأجل يسوع فقط بل لينظروا أيضاً لعازر الذي أقامه من الأموات" (الآية 9). بلغ الخبر رؤساء الكهنة، لا سيما من خلال عملائهم، فتشاوروا فيما بينهم ليقتلوا لعازر أيضاً "لأنّ كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون ويؤمنون بيسوع" (الآية 11).

لم يشأ رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة أن يؤمنوا، رغم كثرة البيِّنات والشهادات، لذلك قرروا أن يقتلوا يسوع ولعازر معاً. لم يكن همّهم الشهادة للحقّ ولا أن يعلِّموا ويرعوا الشعب على معرفة الله وطاعته. كان همّهم أن تبقى لهم السيادة على الناس. الإيمان بيسوع كان يعني تحوُّل الشعب عنهم. لذلك الإيمان بيسوع، في وجدانهم، لم يكن وارداً كإمكانية ولا في حال من الأحوال، لا بعجائب ولا من دون عجائب. يسوع كان منافساً لهم. هذا دلّ على أنّهم لم يشاؤوا أن يفهموا بقلوبهم (مت 13: 15) ما سبق أن قاله موسى والأنبياء في شأن تدابير الله ومسيح الربّ. لذا انطبق عليهم القول الوارد في مَثَل لعازر والغني "إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء [أي إن كانوا لا يطيعون موسى والأنبياء] ولا إن قام واحد من الأموات يصدِّقون" (لو 16: 19 – 31).

السيناريو نفسه تكرّر بين اليهود الرافضين في أكثر من مناسبة. تحقيقات اليهود في شأن الذي وُلد أعمى كيف فتح يسوع عينيه، في إنجيل يوحنّا، الإصحاح التاسع، انطوت على تصلّب ورفض كلّي للإقرار بالمعجزة والاعتراف بما صنعه الربّ يسوع. أيضاً وأيضاً، الرؤساء والشيوخ والكتبة، إثر شفاء بطرس ويوحنّا أعرجَ من بطن أمّه باسم يسوع، اجتمعوا وقالوا: "ماذا نفعل بهذَين الرجلَين لأنّه ظاهر لجميع سكان أورشليم أنّ آية معلومة قد جرت بأيديهما ولا نقدر أن ننكر" (أع 4: 16). وبعد التداول قرّروا، لئلا يشيع الخبر أكثر في الشعب، أن يهدّدوهما تهديداً أن لا يكلِّما أحداً من الناس فيما بعد بهذا الإسم (الآية 17). ليست المعلومات ما كان ينقصهم ليؤمنوا بيسوع بل النيّة والتسليم بما هو حقّ. فِكْرُ قلبهم كان نجساً شرّيراً.

هذه مشكلة اليهود ومشكلة كل المتهوّدين بالنيّة والعزم في كل زمان ومكان من ذلك الحين. ليست معرفة ما جاء في الكتب ولا الأحداث هي ما يأتي بالناس إلى معرفة الله والحقّ بل استقامة القلب أولاً. كيف تقرأ لا ماذا تقرأ فقط. المعارف والعلوم مهما كانت راقية ومهما كانت متقدّمة إن هي سوى سفينة محمّلة بالبضائع تديرها دفة صغيرة، هي نيّة القلب، في الاتّجاه الذي يشاؤه مديرها.

لذلك العلم، في ذاته، لا ينفع شيئاً فيما خصّ معرفة الله. ولا اللاهوت النظري، استطراداً، يفيدك في شيء، إن لم تكن، في العمق، على تُقى. بالعكس كلّما كان عِلمُك غزيراً، وكانت نيّتك غير سليمة، كلّما كانت معرفتك أداة خبث بالأكثر، لأنّك، إذ ذاك، تكون قادراً، بطريقة لبقة ذكيّة مُحكَمة، على إقناع الآخرين بوجهة نظرك وتالياً على إفسادهم. تسوق بضاعتك، أي براهينك ومعطياتك، وفقاً لقواعد المنطق الشكلي، لتقود الكثيرين إلى حيث تشاء مقاصدك الملوّثة. العِلم من غير استقامة قلب مجموعة أدوات ضلال وتضليل بامتياز. لست بحاجة إلى غزارة العِلم الكتبي كشرط للمعرفة الإلهية. طبعاً ثمّة قدرٌ من العِلم بما في الكتب ونوعيةٌ لازمة، أثناء المسير، لتعرف ما ينبغي أن تسلك فيه لجهة خبرة الله، ولجهة أصول الحياة الروحيّة. أما هاجس التبحّر بما هو وارد في الكتب وتقديم العِلم النظري كأساس لمعرفة أكمل بالله والمسيح فلا يفضي، في الحقيقة، إلاّ إلى نظريات أكثر وإلى تكهنات أوسع نطاقاً وإلى شكوك أرسخ في ما لله لا إلى معرفة شخصية أعمق به. ما تحتاج إليه، بدءاً، هو قدر يسير نسبياً من المعرفة الكتبيّة المختارة، قراءةً أو سماعاً، والكثير من الخوض العملي في أصول الحياة الروحيّة والسلوك في حياة الفضيلة والأسرار الكنسيّة. إثر ذلك تبدأ تصير من العارفين. يتنقّى داخلك بنعمة الله. تأخذ في معرفة الله كما هو والنعمة ترشدك. قراءة الكتب، خارج نطاق الصوم والصلاة، تنفخ وتؤذي. في ضوء ذلك يصير بإمكانك، إذا ما أقبلت، بشغف، على الكتب، وكان لك الباع، أن تقرأها على حقيقتها، في السياق الموافق لها، وأن تعرفها على نحو نافع سليم. لا تعود تقرأها كأفكار ونظريات بل كحقائق معيشة وكسيرة إلهيّة عمليّة. موقفك منها في العمق يتغيّر. العصا للجاهل أداة للضرب والأذية والتخريب. فقط إذا ما كنتَ من العارفين المتقدّسين، إذا ما اعتملتْ فيك محبّة الله، تكون العصا لديك للمنفعة ومساعدة الآخرين. هكذا كثرة الكتب، لمَن يجهلون الله، وكثرةُ العِلم، تملأ صاحبها غروراً وتشوِّش الناس وتفسدهم. الذين يتّقون الله ويسلكون في تواضع القلب واستقامته هؤلاء هم الذين ينفعون أنفسهم وسواهم في ما يعلِّمونهم إياه وفي ما يقرأونه عليهم ويكتبونه لهم لأنّهم يثبِّتونهم، بالأكثر، في محبّة الله وسيرة التقوى، إذ يوردون لهم سِيَر الآباء وتعليمهم ويبثّونهم السبل التي سار عليها القدامى وما انتجته خبرتهم ومعرفتهم الشخصية بالله ومسيحه ليتشدّدوا.

العقل والعِلم في ذاتهما، عندنا، إذاً، وكذا منتجاتهما، لا ينفعان شيئاً في سبل معرفة الله الحقّانية.

"الجسد لا ينفع شيئاً. الروح هو الذي يحيي" (يو 6: 63). المقصود بالجسد الإنسان كلّه. كل ما للإنسان تراب ورماد، بما في ذلك العقل. العقل لا ينفع شيئاً إذا لم يكن القلب مستنيراً. العقل أداة خطرة. الله لا يُعرَف بالعقل. الله يُعرَف بروح الله. الموضوع هو أن نقتني روح الله بحفظ الوصيّة حتى نأتي إلى معرفة الله كما هو. العقل من دون نيّة قويمة وقلب مستنير أداةٌ نفسانيّة شيطانية مخرّبة في الكنيسة.

أقول ذلك ونُصْب أعيننا، في مطلع الأسبوع العظيم، اليهود الذين كان أئمّتهم علماء ادّعوا أنّهم تلاميذ موسى والأنبياء وأنّ أباهم إبراهيم. لكن أشعياء، كما نقرأ، "رأى مجد [يسوع] وتكلّم عنه" (يو 12: 41). وإبراهيم تهلّل بأن يرى يومه "فرأى وفرح" (يو 8: 56). وموسى قال يسوع لليهود في شأنه: "لو كنتم تصدّقون موسى لكنتم تصدّقونني لأنّه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدِّقون كُتُبَ ذاك فكيف تصدِّقون كلامي" (يو 5: 46 – 47)؟ ومع ذلك، بالرغم من كل ذلك، لم يشأ اليهود أن يؤمنوا. علماء الشريعة صاروا أبرياء من الشريعة، غرباء عن معانيها. لذلك تقول فيهم ترنيمة الساعة التاسعة من الجمعة العظيمة: "عندما سمّرك الأبرياء من الشريعة على الصليب يا ربّ المجد هتفتَ نحوهم. بماذا أحزنتكم؟ وبماذا أغضبتكم؟ مَن الذي نجّاكم قبلي من الحزن؟ والآن بماذا كافأتموني؟ بدل الخير شرّاً. بدل عمود النار سمّرتموني على الصليب. عوض الغمام احتفرتم لي لحداً. بدل المنّ قدّمتم لي مرارة. وعوض الماء سقيتموني خلاً..." (أيذيوميلا باللحن السابع).

كل ذلك لم يكن القيِّمون على الشريعة واعين له لأنّ حسدهم أعماهم ولأنّ سعيهم للتسيّد، بحسب هذا الدهر، صمّ آذانهم، وعُجْبَهم بأنفسهم أسكرهم. الإنسان الممتلئ من نفسه لا يعود يسمع ولا يعود يحسّ.

أقول ذلك ويرتحل ذهني إلى علماء الشريعة الجدد، إلى الذين حوّلوا ويحوّلون اللاهوت إلى مسعى فكري نظري، كاليهود، وإلى تجارة كلام، ولا تقوى فيهم ولا حسّ الإلهيات. مدارس اللاهوت التي لا تخرِّج قدّيسين تخرِّج مخرّبين. هؤلاء يصدحون بكلام موسى والأنبياء والآباء ولا يعملون عملهم ولا يبالون لا بصوم ولا بصلاة ولا بتقوى وهم متراخون في حفظ الوصيّة. هؤلاء هم المتهوِّدون الجدد الذين يتظاهرون بمعرفة الله فيما يطعنون يسوع بإنجيله إذ يفسِّرونه على هواهم، ويصلبونه بقدّيسيه وتعليمهم إذ يحوِّرون ما قالوه، ويحوّلون الخلاص إلى مماحكات كلام. يؤمنون بعقولهم ولا يؤمنون بيسوع. وفي النتيجة ينحرون السيّد ويقتلون تلاميذه، نظير اليهود، ولكنْ بالروح، وهم يدّعون أنّهم يقدّمون عبادةً لله (يو 16: 2) وحداثة.

لا نحسبنّ أنّ الذين أسلموا يسوع إلى الصّلب قد ولَّوا. هؤلاء لا زالوا قائمين فيما بيننا. يسوع صُلب مرّة بالجسد لكنّه بالنيّة يُصلب، في بعض خاصته، في كل عصر. رغم ذلك نقول ونردّد: "ليقم الله ويتبدّد جميع أعدائه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه" موقنين أنّ قيامة يسوع مستمرة في الذين هم له إلى الدهر.

فـ "قمْ يا الله واحكم في الأرض لأنّك ترث جميع الأمم"!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

2019/06/29

الإنجماع الكُلى فى المسيح.حسب تعاليم أباء الكنيسة



  • يُحِقِق الإنسان شخصيته من خلال"سر الشركة",ذلك السِر الذى باتَ كحقيقة قائمة بين الإنسان وبين الله,وهذه الحقيقة تحققت فى"ملئ الأزمنة.حينما أرسل الله إبنه مولوداً من امرأة(غلاطية4:4).
  • ففى ملئ الزمان ينتهى زمان ويبدأ زمن آخر,فقد إنتهى زمن العبودية وإنتهت مَعَه إنسانيتنا العتيقة(2كو17:5),إنه زمن التجديد... الإنجماع.إنه بالحقيقة زمن الشركة,شِركتنا فى الله وشركة الله فينا. .إنه ملئ الخليقة الجديدة(2كو17:5)وكلمة الخليقة هُنا قد جائت بصيغة مؤنث,وفى هذه الحالة بحسب قواعد اللغة ,يكون المقصود هو"التحرك والعمل والإنتاج "[1]فيكون المقصود إن هذا الزمان هو زمن الخليقة الجديدة,التى يجب أن تنمو وتتحرك نحو الله لكى ما تقدر أن تُحِقق كينونتها.
  • لعل الرسول يقصد هنا بالسرّ الذي يعلنه للمؤمنين هو على وجه الخصوص تحقيق خطة الله في ملء الأزمنة، حيث يعمل بكمال سلطانه وملئها لخِلق جماعة مسكونية من المؤمنين في المسيح، مقدسة فيه[2].وربما ملء الزمان يعني انتهاء زمان الإنسان، زمان الخطية والشقاء واللعنة، ومجيء أيام الله: » أيام ابن الإنسان «(لو 26:17)، » أنا اليوم ولدتك «(عب 5:1)، التي ليست من هذا الزمان بعد، وهي أيام الخلاص والبر والمصالحة والحياة الجديدة التي لا تمتُّ إلى هذا الزمان. فهي بمثابة إنفتاح السماء على الإنسان لتلقِّي روح حياة جديدة ليست من هذا الزمان ولا من هذا العالم. حيث اليوم فيها بألف سنة زمان، وحيث لا يولد الإنسان بعد ليدب على الأرض كحيوان الخلقة الأٌولى، بل يولد من فوق ليعيش لفوق[3].
  • إنه زمن الدعوة..الدعوة إلى التحقق والتحقيق  من "كينونة الإنسان".زمن إكتمال إقنومية الإنسان,تكلم عنه ق.بولس فقال: [تَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ][أف10:1].ولم يِقِصِد ق.بولس إجتماع المؤمنين عند المسيح فحسب[!].بل إن لهذه الأية معنى أعمق بكثير من ذلك.
  • فالكلمة المُستخدمة هنا هيا[ἀνακεφαλαιώσασθα]أى[ليجمع كل شئ فى المسيح], [Recapitulation],وهيا تُعنى عند اليونان [مجموعة من الآرقام],ولكن إستخدمها آباء الكنيسة  بمعنى بلاغى أعمق ,للتدليل على مجموعة أخبار أو مواضيع,يوضع لها عنوان تدليلى يجمعها..فيكون المقصود هو[يجمع تحت رأس] بهذا المعنى تماماً يستخدم ق.بولس هذه الكلمة التى تُرجمت"يجمع كل شئ"فى شرح خطة الله الأزلية التى قصدها منذ الدهور,لتكمُل زمان الخلاص بالنسبة للخليقة كلها حينما يجمعهاً معاً فى المسيح,وهو تعبير جيد إذ يعطى فى النهاية إجابة عن معنى وسبب وموقع كل مخلوق أو خليقة من الله بواسطة المسيح والكل فى خضوع إلهى وانسجام فائق[4].
  • وهذا يعنى أن المسيح سيُصالح كل أجزاء الخليقة,الواحد بالآخر,ثم الله ,بعد الذى صنعته الخطية فى الخليقة من تفتت وإنقسام وعداوة شديدة أبعدت الكل عن أنفسهم وعن الله ,لذلك لزِم التوحيد العام بالرأس الواحد المسيح فى وحدة مكتملة ناضجة مثمرة كما يقول ق.بولس فى الرسالة إلى رومية[لآنه منه وبه كل الأشياء..][رو36:11][5].
  • وعلى هذا الآمر  تقوم تعاليم ق. إيرينيئوس اللاهوتية فيقول:ـ[فإن المسيح كما قلنا قد وحد الإنسان مع الله..لقد كان لائقاً أن الوسيط بين الله والناس,بحق قرابته الخاصة مع كل منهما,يعيد الألفة والتوافق بينهما,ويقدم الإنسان إلى الله ويُظهر الله للإنسان..لإنه من أجل ذلك قد جاء مجتازً فى جميع الأعمار[مراحل نمو المسيح]لكى يعيد للجميع الشركة مع الله][6]
  •   فكان لتجسد إقنوم الإبن أثره البالغ على الطبيعة البشرية-التى أخذ منها جسده-فتلك الطبيعة الفاسدة أصبحت سُكنى وقُدس لله ,أى إنها تقدست وتحول فسادها إلى لا شئ,نعم فـ[حينما صار الكلمة جسداً][يو14:1]فإنه[سكن فينا],هكذا يُعبر ق.يوحنا عن هذا الحد قائلاً[ἐσκήνωσεν ἐν ἡμῖν]وهيا تُعنى بالتحديد[جِعلنا مسكناً طقسياً][7].
  • وحينما نقول إنه جعلنا [مسكناً طقسياً]فإننا نُشير إلى الكلمة اليونانىἐσκήνή,وهيا تُعنى عضواً عن قُدس الأقداس,الذى كان يسكُن فيه فى العهد القديم,فلم يعُد الرب فى العهد الجديد يسكُن فى خيمة موسى فى البرية ولا هيكل سُليمان فى أورشليم بل قد صار يسكُن فينا نحن,فى لحمنا ودمنا اللذين أخذهما منا ليتمكن بهما أن يحل ويسكُن داخلنا,فصرنا[بيته نحن][عب6:3] [8].
  • فلسُكنى الله فى خيمتنا[ أى جسدنا],وحينما نُصبح نحن قُدس أقداسه [هيكله المُقدس]فلكُل هذا أثره البالغ على شخصية الإنسان,الإنسان الذى فقد شخصيته وشوه أيقونته الإلهية التى طُبعت فيه حينما خُلق[تكوين26:1ُ],وهذا الأثر يظهر بوضوح حينما يُحقق الإنسان إقنوميته,أو يُمكننا أن نقول إن الله هو من حقق إقنومية الإنسان بتجسده.
  • فإن كان السيد الرب فى صلاته الوداعية يُردد قائلاً:[لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا][يو21:17],ففى هذه الصلاة تتجلى أمامنا عظمة [سر الإتحاد بالله],ولهذا السبب كانت الكنيسة على مر العصور تُصلى من أجل هذا الإتحاد وتدعوا الجميع له,وأخيراً نُصلى نحن ب[صلاة قسمة]من أروع ما كُتب عن [إتحادنا بالله][عند أصعاد الذبيحة على مذبحك تضمحل الخطية من أعضائنا بنعمتك، عند نزول مجدك على أسرارك ترفع عقولنا لمشاهدة جلالك، عند إستحالة الخبز والخمر إلى جسدك ودمك تتحول نفوسنا إلى مشاركة مجدك وتتحد نفوسنا بألوهيتك ][9] .
  • ففى صلاة المسيح قائلاً:[لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا][يو21:17].هو بالحرى يِكشِف لنا حقيقة وهدف [التدبير الإلهى]إلا وهو [الإنجماع],إنجماع كُل الخليقة تحت رأس واحد وهو المسيح.كما إن  فى هذه الصلاة ينتقل المسيح فى سؤاله من أجل وحدة الكنيسة فى ذاتها ,إلى الوحدة"فينا"أى فى المسيح والآب,واضح هُناك أن بلوغ الكنيسة حالة الوحدة فى ذاتها هو الذى يؤهلها للاتحاد بالمسيح والآب,وهذا ظاهر من تسلسل الإرتقاء بمفهوم الوحدة"ليكون الجميع واحداً ,ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا"[10].
  •   فلا يُمكننا أن نقول على أى إنسان إنه"شخص"( persona-(ύπόστασςإلا إذا وُجد شخص أخر معه[11],وهذا الآخر هو من يُبادل الإنسان مشاعره وحُبه فى حركة دائمة,وفى أثناء هذا التبادل يتحقق إقنومية الشخصيين معاً.ولكن فى حالة التجسد فالأمر يِختلف لإن إقنوم الكلمة قد حقق إقنوميته[فى الأزل] من خلال إقنومى الآب والروح القدوس.لذا نحن نقول عن كل من [الآب والإبن والروح القدوس]إنهم أقانيم.
  • فلو لم يحدُث التجسد ويتم الإتحاد,لأصبح الإنسان مُجرد"فرد"[atomos]لا يكتمل ولا يتحقق وجوده الإنسانى[12] .فهذا الوجود الإنسانى لا يتم إلا من خلال آخر-بالنسبة للإنسان والإنسانية-وهذا اللآخر وجده الإنسان,أو قول هو وجدنا,ووحدنا فى جسد بشريته.
  • لذا فالحديث عن[الإنجماع الكُلى]كان شِبه مُستحيل إذا لم يجد الإنسان[شخص أخر],أو بمعنى أخر كان مُستحيل أن يحدث إذا لم يحدث [التجسد],لإن [الإنجماع الكُلى]هو نتيجة للتجسد,لذا يقول ق.غريغوريوس النزينزى عن هذا السر [إن غاية هذ السر الأعظم من نحونا هو أن أرث معه وأصير ابناً لله,بل وأصيرالله نفسه][13].[وليس بكل تأكيد أن أحل مكان الله,بل المقصود أن أصير فى وحدة مع الله.
  • فهذه العقيدة [إنجماع الخليقة تحت رأس واحد وهو المسيح],هيا العقيدة المُكملة لعقيدة[التأليه],إن لم يكون الإثنان واحداً.فلا نقدر أن نُميز بين الإتحاد والتأله والإنجماع,كحقيقة وأمر واقع.لإن الثلاث مُصطلحات تُعبر بالحرى عن هدف وغاية الله .
  • ومِن روائع ق.كيرلس الكبير فى هذا النَّسَقُ قوله[إن قوة الله الآب المُحيية هى اللوغس..هذا قد أرسله لنا الآب مُخلصاً وفادياً..وقتنى لنفسه ذلك الجسد المأخوذ منها[من العذراء]وذلك لكى يغرس نفسه فينا باتحاد غير مفتقر...فحينما نأكل جسد المسيح مخلصنا كلنا,ونشرب دمه الكريم,فإننا نقتنى الحياة داخلنا ونصير بنوعٍ ما واحداً معه] [14].
  • وتحقيق الوجود الإنسانى وإكتماله[الإنجماع] ليس هو-مُجرد-حالة وصول[إكتمال].فالله وحده هو الذى وصل,وحده هو الكامل بهذا المعنى,ويتم الكمال الإنسانى فى النمو المُستمر نحو الكمال[الله]فى رحلة مُستمرة من صورة الله إلى شبه الله,تحول مُستمر [15].
  • فحينما تجسد الله الكلمة,كانت هذه إشارة منه لبدء رحلة يُسميها الآباء"الشركة",فالتجسد كان حقاً دعوة لبداية"أبدية"يتم تأكيدها فى جُرن المعمودية,ولا تنتهى,إنها رحلة قد بدئها الكلمة المُتجسد,وإستكملها الإنسان ولن يُنهيها أى منهم[الله والإنسان],حتى عندأى المجى التانى( (parousia.
  • رحلة نحو اللانهاية,رحلة جعلتنا نحن مسكن و[بيت الله]فصدق بولس القول حينما قال[أما المسيح فكابن على بيته,وبيته نحن إن تمسكنا بثقة الرجاء][عب6:3]فأصبح الإنسان هو بيت الله الذى يستريح فيه,ويجد راحته,ولهذا يدعوه داود إلى هذا البيت قائلاً:[ قم يا رب إلى راحتك][مزمور131] فأكثر موضع يستريح فيه الرب هو قلب الإنسان.
  • وللأب متى المسكين تعليق هائل جدا حول تِلك النقطة فيقول:ـ[انظر أيها القارئ العزيز,ما أصغر هذه الجملة,ولكن بقدر صغرها بقدر ما حوت من حوادث وأهوال يشيب من هولها الولدان,فعلى هُداها احرق الهيكل وأفرغت المدينة من هيئتها وسُكانها وصارت عاراً على أصحابها,هذا كله لكى يحول الله بيته القديم إسرائيل فى معناه الأول كخيمة شهادة أو خيمة أجتماع مع الله ثم هيكل الله العظيم فى أورشليم إلى "بيته نحن"أى الكنيسة حيث انتهت عصور وجاءت عصور ,ووقف الصليب بدمه يحجز بين الصفين...و"بيته"بمعناه الأقصى سراً هو جسده,حيث فيه هو رأس البيت ورئيس الكهنة,وبيته أيضاً هو عروسه ,ومدينة مقدسة مزينة فى السماء,هكذا صار وهكذا هو كائن الآن. أن بيته لم يعد هم اليهود ولا بنو إسرائيل بل"نحن"[16].
  • إنه"سِر"تحقيق إقنومية الإنسان,الذى تحقق من خلال المُصالحة التى تمت بين السمائيين والآرضيين.لهذا السبب نحتفل كُل يوم بهذا السر العظيم,فنحتفل اليوم وكُل يوم بسر الإتحاد والمُصالحة الذى تم بين اللاهوت والناسوت,بين الله والإنسان اليوم إنفتح الطريق للإنسان نحو الله,وطريق الله إنفتح نحو النفس البشرية...لقد ظل أدم وحده ولو لم تتحد به المرأة التى حُبلت منه لما انتجت نسلاً,وهكذا النفس أيضاً,إن لم تتحد بالمسيح وتدخل فى شركه معه لا تستطيع[النفس] أن تثمر ثمار الروح.[17]


النعمة معكم.

مينا فوزى...

 


[1] القمص تادرس يعقوب ملطى:تفسيرا وتأملات الآباء الاولين.رسالة كورنثوس الثانية,ص166.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطى من تفسير وتأملات الآباء الاوليىن . رساله بولس الرسول الى اهل افسس ص34-35

[3] الاب متى المسكين شرح رسالة القديس بولس الرسول الى اهل غلاطية, ص264-

 [4] فقد وردت هذه الكلمة مرتين فى العهد الجديد مرة فى رسالة أفسس,,مرة أخرى فى (رومية90:13),وقد وردت بمعنى الإنجماع تحت رأس.راجع قاموس سترونج تحت ترقيم346.

 [5]  الآب متى المسكين شرح الرسالة إلى أفسس للقديس بولس الرسول ص113-116

[6] ضد الهرطقات7:18:3

[7] راجع قاموس سترونج تحت ترقيم4637.

[8] التجسد والميلاد فى تعليم آباء الكنيسة ص10

[9] ولكى لا يدعى البعض إن هذه القسمة غير سليمة وبها الكثير من الأخطاء,نقول إن هذه الصلاة موجودة فى الخولاجى المقدس.ص410.إصدار كنيسة ق.أنبا أنطونيوس-أبو ظبى,وقد حصل على موافقة اللجنة الطقسيةفى المجمع المقدس .حسب جلسة1-5-2003.

 [10] الآب متى المسكين:الإنجيل بحسب ق.يوحنا دراسة.شرح.تفسير,ج2,ص1074

[11] د.مارك شنودة .الإفخارستيا سر حياة, ,مراجعة نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل.ص232

[12] المرجع السابق

[13] عظة23:7

[14] ق.كيرلس الكبير:عشاء الرب(تأسيس سر الإخارستيا),العظة رقم142.

[15] الآب أنتونى م,كونيارس.تحقيق طاقتك الكامنة فى المسيح.ص34.

 [16] الآب متى المسكين شرح ودراسة الرسالة إلى العبرانيين,دير ق.الآنبا مقار.ص291.

 [17] عظة القديس مقاريوس عن الميلاد مجلة مرقس عدد يناير 1971.

 


2019/06/24

يُهان البطريرك فتغيب الأسود[!]



  • غريباً عندى أن لا أجد الأسود حامية الإيمان, حينما يُهان البطرك, إنها تُلازم عرينُها لاتخرج منه كما لو كانت فى "أجازة وضع", أو فى حالة طرش. لانسمع صوتهم إلا وقتما يُقال ما لايعجب, او وقتما يُحركهم مولاهم, فحينها وحينها فقط نسمعهم يُهللون ويصرخون, وهُنا نسمع عرير الأسود.
  • حينما يتحدث "الأنبا دانيال" أسقف المجمع, بما لايعجب مولادهم, وريثما تصلهم الأوامر يبداء الهجوم, على ذلك الأسقف الخناس, فكيف له أن يُفكر مُجرد التفكير فى نقد أصحاب الجلالة[!]فكيف لاينضم إلى زُمرة  "المرضى النفسين" ولا يُهاجم البطرك؟, كم كُنت أنتظر من الأنبا دانيال أن يُعطيهم نصيحة بأن يعالجوا مرضاهم.فعلاج الأمراض النفسية مُتاح اليوم. وأفضل من "سبوبة" حماية الإيمان, ولكنه لم يفعل.
  • فواضحاً ان كل مُساند للبطرك,  عُرضة لكُل أسدٍ مسعور, اما كُل من يُهاجمه فقد قدم فروض الولاء لأصحاب الجلالة مروضى الأسود.لم يُخطئ الأنبا دانيال حينما عاتب مُسربى البيان, لم يُخطئ حينما وضح لعديمى الفهم الألية التى بها يُقدم البيان للمجمع. بعيداً عن تسريبات النت. وكان على صواب حينما وصف ربهم الأعلى بالمريض النفسى,فهذه التصرفات الصبيانية لاتخرُج إلا من مريض نفسى.
  • لقد فاجئنى الأنبا دانيال حينما وصف الأسود بإنهم مُجرد شرذمة صوتها عالى, وأفرحنى حينما قال إن معظم المجمع المقدس عارض الورقة المسربة التى تدعو للإنقسام, من الواضح -الآن- توجه الكنيسة مُمثلة فى البطرك ومجمعه وسكرتيره, فإنتفاضة  الإصلاح-أوشكت -ولا عزاء للأسود.